بعد أقلّ من أسبوع على الوعكة الصحية التي اضطرته إلى مغادرة المسرح، عاد ليونيل ريتشي إلى ما كرّس له أكثر من خمسة عقود من حياته: الغناء أمام الآلاف. وقد بدّدت عودته السريعة مخاوف جمهوره، ورسّخت السمعة التي لازمت مسيرته طوال سنواتها، والمتمثلة في صلابته المهنية والتزامه العروض الحية.
استأنف ريتشي (77 عاماً) جولته المشتركة "غنِّ أغنية طوال الليل" مع فرقة "إيرث، ويند آند فاير" في مدينة بيتسبرغ، بعدما نُقل إلى المستشفى إثر تعرّضه لنوبة دوار خلال الحفل الافتتاحي للجولة في مدينة سانت بول بولاية مينيسوتا. وأثناء أدائه أغنيته الكلاسيكية "دانسينغ أون ذا سيلينغ"، أخبر ريتشي الجمهور بأنه يشعر بـ"الدوار"، قبل أن يجلس على خشبة المسرح.
وبعد ذلك أنهى الحفل قبل موعده، ونُقل إلى المستشفى كإجراء احترازي، ما أدى إلى تأجيل حفلتين كان من المقرر إقامتهما في شيكاغو وكولومبوس.
واتسمت عودته بروح الدعابة أكثر من الطابع الدرامي.
فخاطب جمهور بيتسبرغ قائلاً مازحاً: "لقد أقلقتكم للحظة"، قبل أن يضيف أنه أمضى اليوم السابق وهو يستمع إلى الجميع وهم يقدّمون له النصائح بشأن ما ينبغي عليه فعله. وعكست هذه التعليقات المرحة إصرار فنان لا يريد أن يسمح لعارض صحي عابر بأن يطغى على جولة تحتفي بأحد أكثر الأعمال الغنائية رسوخاً واستمراراً في تاريخ الموسيقى الشعبية.
صمود الفنانين المخضرمين
سلّطت عودة ريتشي الضوء أيضاً على واقع أوسع يواجه كثيراً من الفنانين المخضرمين. فمع استمرار عدد متزايد منهم في القيام بجولات فنية حتى السبعينيات والثمانينيات من أعمارهم، أصبحت الانقطاعات الصحية العرضية جزءاً من واقع صناعة الحفلات الموسيقية الحديثة. وفي المقابل، أظهر الجمهور تقديراً متزايداً للفنانين الذين يفضّلون الشفافية على السعي إلى صورة الكمال، فيعترفون بحدودهم الجسدية مع استمرار التزامهم تجاه جمهورهم.
خمسة عقود من النجاحات
وقليلون هم الفنانون الذين يجسّدون هذا العمر الفني الطويل بقدر ما يفعله ريتشي. فمنذ انطلاقته مع فرقة "كومودورز" في سبعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى مسيرته الفردية الاستثنائية التي أثمرت نجاحات عالمية مثل "هيلو" و"آل نايت لونغ" و"ساي يوم، ساي مي" و"إندلس لاف"، ظلّ أحد أكثر الأصوات تميزاً وحضوراً في موسيقى البوب. ومع بيع أكثر من 125 مليون أسطوانة حول العالم، ودخوله قاعة مشاهير الروك آند رول، ونيله أعلى تكريم تمنحه قاعة مشاهير كتّاب الأغاني، إضافة إلى حضوره المستمر بوصفه عضواً في لجنة تحكيم برنامج "أميركان آيدول"، نجح ريتشي في مدّ جسور التواصل بين أجيال متعاقبة من المستمعين.
يحمل إصراره على العودة بهذه السرعة دلالة رمزية؛ فبدلاً من أن يسمح للحادثة الصحية بأن تصبح العنوان الأبرز في هذه المرحلة، أعاد ريتشي توجيه الاهتمام نحو الموسيقى ذاتها. وخلال حفله في بيتسبرغ، ذكّر الجمهور بالقيم التي طالما ميّزت صورته العامة، متحدثاً عن التعاطف والوحدة ومساعدة الآخرين بصرف النظر عن الاختلافات السياسية أو الاجتماعية.
وفي نهاية المطاف، تمثل هذه الحادثة فصلاً جديداً في مسيرة بُنيت على الأغاني الخالدة وعلى المثابرة والإصرار. وبالنسبة إلى فنان رافقت موسيقاه أجيالاً متعاقبة على مدى عقود، جاءت رسالته الأقوى من خلال عودته بسيطة وواضحة: العرض، رغم التوقف القصير، مستمر.