يُعتبر مهرجان كانّ السينمائي اليوم أهم مهرجان سينمائي في العالم، إذ يجمع بين الفنّ والنجومية وصناعة السينما العالمية في حدث سنوي يتحوّل إلى مركز للثقافة والإعلام والبذخ على حدّ سواء. وفي كلّ شهر أيار، تتحوّل مدينة كانّ الفرنسية الصغيرة إلى عاصمة عالمية للسينما، فيما يتدفّق النجوم والمخرجون والمنتجون والصحافيون وعشّاق الفن السابع من مختلف أنحاء العالم إلى "الكروازيت" لحضور الحدث الذي بات رمزاً للسينما العالمية الحديثة.
غير أنّ مهرجان كانّ، خلف السجّاد الأحمر وفساتين الأزياء الراقية وومضات المصوّرين، هو قبل كلّ شيء مؤسسة ثقافية وسياسية أدّت دوراً أساسياً في صياغة تاريخ السينما الحديثة، وتحولت على مدى عقود إلى مرآة للتحوّلات الفنية والثقافية والسياسية في العالم.
وُلد المهرجان رسمياً عام 1939، في سياق توتّرات دولية متصاعدة. ففي ذلك الوقت، كانت "موسترا البندقية" - أول مهرجان سينمائي كبير في العالم - تُتَّهم بالخضوع لتأثير الأنظمة الفاشية في إيطاليا وألمانيا. لذلك، أرادت فرنسا إنشاء مهرجان حرّ ومستقلّ عن الضغوط السياسية.
كان من المقرّر افتتاح الدورة الأولى في أيلول 1939. لكن بعد أيام قليلة من وصول الضيوف، اندلعت الحرب العالمية الثانية، فأُلغي المهرجان قبل انطلاقه الفعلي.
لم يُبعث مهرجان كانّ رسمياً من جديد إلا عام 1946، في أوروبا التي كانت لا تزال تعيش صدمة الحرب. ومنذ بداياته، أراد المهرجان أن يكون رمزاً للحرية الفنية وللحوار الدولي عبر السينما.
على امتداد العقود، تحوّل كانّ تدريجياً إلى أكثر مهرجانات السينما هيبةً في العالم. أما جائزته الكبرى، "السعفة الذهب"، فاكتسبت مكانة تكاد تكون مقدّسة داخل الصناعة السينمائية.
الحصول على "السعفة" قادر على تغيير مسيرة مخرج بالكامل، أو منح فيلم مستقلّ حضوراً عالمياً، أو تكريس مكانة أحد كبار المؤلفين السينمائيين بصورة نهائية. وقد بنى عدد من كبار السينمائيين أسطورتهم في كانّ، من بينهم: فيديريكو فيلليني، إنغمار برغمان، مارتن سكورسيزي، فرانسيس فورد كوبولا، كوينتن تارانتينو، جين كامبيون، عباس كيارستمي، بونغ جون-هو.
كما قدّم المهرجان للعالم مجموعة أفلام أصبحت علامات فارقة في تاريخ السينما، مثل "لا دولشي فيتا" لفدريكو فلليني (1960)، "سائق التاكسي" لمارتن سكورسيزي (1976)، "خيال رخيص" لكوينتن تارانتينو (1994)، "طُفيلي" لبونغ جون هو (2019)، وغيرها.
شهد المهرجان تحوّلات هائلة منذ خمسينيات القرن الماضي. فبعدما كان في بداياته أوروبياً إلى حدّ كبير وتحت هيمنة القوى السينمائية الغربية الكبرى، انفتح كانّ تدريجياً على العالم بأسره. وأصبحت السينمات الآسيوية والإفريقية والعربية واللاتينية تحتلّ اليوم موقعاً أساسياً داخله.
كما اضطرّ المهرجان إلى التكيّف مع سلسلة من التحوّلات الكبرى، من بينها: العولمة الثقافية، ظهور المنصّات مثل "نتفلكس"، النقاشات المرتبطة بالتنوّع والتمثيل، حركة #MeToo لكشف ومناهضة التحرّش والاعتداءات الجنسية خصوصاً في مجالات الفنّ والإعلام والسياسة، الأزمات السياسية والجيوسياسية، وجائحة كوفيد-19.
من أبرز السجالات الحديثة تلك المرتبطة بمكانة البثّ التدفقي. ففي عام 2017، أثار وجود أفلام من إنتاج "نتفلكس" جدلاً واسعاً داخل المهرجان. وانتهى الأمر بفرض كانّ قاعدة تنصّ على أنّ أي فيلم يشارك في المسابقة الرسمية يجب أن يُعرض في صالات السينما في فرنسا.
ويعكس هذا القرار رغبة المهرجان في الدفاع عن التجربة الجماعية لمشاهدة السينما في مواجهة التحوّلات الرقمية.