تتصاعد في ألمانيا الدعوات إلى سحب احتياطياتها من الذهب المودَعة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، والبالغة نحو 1236 طنًا، في ظل تراجع الثقة بالعلاقات عبر الأطلسي وعدم القدرة على توقّع قرارات الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ودعا الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لقسم الأبحاث في البنك المركزي الألماني (البوندسبانك)، إيمانويل مونش، إلى استعادة الذهب، معتبرًا أنّ الاحتفاظ به في الولايات المتحدة في ظل الإدارة الحالية بات محفوفًا بالمخاطر، وفقًا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان البريطانية. وقال مونش لصحيفة هاندلسبلات إن تخزين هذه الكمية الكبيرة من الذهب في الولايات المتحدة لم يعد خيارًا آمنًا في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة، داعيًا إلى تعزيز استقلال ألمانيا الاستراتيجي عن واشنطن.
في المقابل، صرّح المتحدث باسم حكومة فريدريش ميرتس الائتلافية، ستيفان كورنيليوس، بأن سحب احتياطيات الذهب ليس مطروحًا في الوقت الراهن. غير أن دعوة مونش تأتي ضمن سلسلة مواقف متزايدة لخبراء اقتصاديين يرون في هذه الخطوة انسجامًا مع مسار الاستقلال الاستراتيجي الذي تسعى إليه ألمانيا خلال الأشهر الأخيرة.
غرينلاند تشعل الجدل
من جهته، رأى رئيس رابطة دافعي الضرائب الأوروبيين والألمان، مايكل ياغر، أن على برلين إعادة ذهبها إلى الوطن، معتبرًا أن الحديث الأميركي عن ضمّ غرينلاند يثير القلق. وقال لصحيفة راينش بوست إنّ عدم القدرة على توقّع تصرفات ترامب يزيد من مخاطر عدم تمكّن البوندسبانك من الوصول إلى احتياطياته، داعيًا إلى نقل الذهب فورًا إلى ألمانيا.
وأوضح ياغر أنه وجّه مراسلات إلى البنك المركزي الألماني ووزارة المالية العام الماضي مطالبًا بإعادة الذهب، مشيرًا إلى أن القضية لم تعد حكرًا على حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف، بل بدأت تدخل تدريجيًا إلى النقاش العام.
بين التحذير والتطمين
في السياق نفسه، أيّدت المتحدثة باسم حزب الخضر للشؤون المالية، كاتارينا بيك، نقل سبائك الذهب، معتبرة أنها ركيزة أساسية للاستقرار والثقة، ويجب ألا تُستخدم كورقة ضغط في النزاعات الجيوسياسية. في المقابل، حذّر رئيس معهد البحوث الاقتصادية (Ifo)، كليمنس فوست، من هذه الخطوة، معتبرًا أنها قد تؤدي إلى عواقب غير محسوبة وتسهم في تأجيج التوترات القائمة.
أين يُخزَّن الذهب الألماني؟
وبحسب البوندسبانك، يُخزَّن أكثر من نصف احتياطيات الذهب الألمانية، نحو 1710 أطنان، في فرانكفورت، فيما تُودَع 1236 طنًا (نحو 37%) لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، إضافة إلى 405 أطنان في بنك إنكلترا في لندن. وتُقدَّر القيمة الإجمالية للاحتياطيات بنحو 450 مليار يورو.
وتُعد ألمانيا ثاني أكبر دولة في العالم من حيث احتياطي الذهب بعد الولايات المتحدة، إذ بلغ احتياطيها في نهاية عام 2024 نحو 3352 طنًا. ورغم ذلك، طمأن رئيس البوندسبانك، يواكيم ناغل، في تشرين الأول الماضي، إلى أن لا داعي للقلق بشأن الذهب المودَع في نيويورك.
بدورها، رأت المتحدثة باسم الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديموقراطي، فراوكه هايلغينشتات، أن المخاوف مفهومة، لكنها لا تستدعي الذعر، مشيرة إلى أن تنوّع أماكن التخزين يضمن قدرة ألمانيا على التحرّك عند الحاجة.
إلا أن تصاعد خطاب ترامب تجاه الشركاء الغربيين دفع عددًا متزايدًا من السياسيين، خصوصًا من الاتحاد الديموقراطي المسيحي، إلى إعادة طرح ملف الذهب. وفي هذا السياق، اعتبرت أستاذة الاقتصاد في جامعة دوسلدورف، أولريكه نير، أن الولايات المتحدة لم تعد شريكًا يمكن الاعتماد عليه في ظل إدارة ترامب.