كتبت سلوى بعلبكي في "النهار":
أعاد قرار سوريا تعديل عملتها فتح نقاش أوسع حول العلاقة بين شكل العملة وواقع الاقتصاد، خصوصاً في الدول التي شهدت انهيارات نقدية حادة. فبعيداً من المعنى الرمزي أو السياسي، يندرج هذا النوع من القرارات ضمن محاولات مواءمة الأدوات النقدية مع واقع تآكل القيمة الشرائية وتضخم الأرقام، بما يخفف الأعباء التقنية واليومية على الدولة والمجتمع.
صحيح أنّ لبنان لم يصل في تاريخه الحديث إلى مرحلة تغيير عملته، إلا أنّ النقاش حيال شكل العملة يعود إلى الواجهة من باب الحاجة اليومية، لا من زاوية السياسات النقدية الكبرى. فالتدهور المستمر في قيمة الليرة لم ينعكس فقط على الأسعار وسعر الصرف، بل فرض واقعاً نقدياً جديداً أصبحت فيه آلية الدفع نفسها عبئاً على المواطنين وعلى الإدارات الرسمية والتعاملات التجارية. وبين الدعوات إلى حذف الأصفار أو تغيير العملة، يبرز طرح أكثر واقعية يقوم على تعديل قيمة الفئات النقدية بما يتلاءم مع المستوى الفعلي للأسعار.
الخبير النقدي سركيس خوري يرى أن "ما يجري في سوريا لا يقتصر على إزالة رسوم أو رموز تعود إلى النظام السابق، بل يرتبط مباشرة بتراجع قيمة العملة نفسها، وما فرضه ذلك من حاجة إلى إعادة تنظيم التداول النقدي. فالدول تعيد برمجة عملتها عندما تتغير الظروف الاقتصادية، لا عندما ترغب في تغيير الشكل فقط".
أما في لبنان، فإن الانهيار النقدي الذي بدأ قبل سنوات لم ينعكس فقط على سعر الصرف أو على القدرة الشرائية، بل أحدث فجوة عميقة بين الواقع الاقتصادي وشكل العملة المتداولة.
من هذا المنطلق، لا يرى خوري في إصدار فئات أكبر أيّ عنصر استثنائي أو صادم، "فالأزمة لم تعد مخفية، بما يجعل مواءمة العملة مع هذا الواقع خطوة طبيعية لا اعترافاً جديداً بالأزمة".
إلى ذلك، يحتل البعد الاجتماعي موقعاً أساسياً في هذا الطرح. فالتغييرات الجذرية مثل استبدال العملة أو حذف الأصفار، قد تربك فئة واسعة من الناس غير القادرة على التكيف السريع مع أنظمة نقدية جديدة، "لذا يبرز خيار زيادة قيمة الفئات النقدية حلاً عملياً وأقل كلفة، يسمح بتسهيل التعاملات اليومية من دون الدخول في مسار معقد ومكلف"، وفق ما يقول خوري.
الحياة اليومية تؤكد هذا الواقع. فالمواطن بات يدفع ملايين الليرات في السوبرماركت والمتاجر، ومن غير المنطقي الاستمرار بسؤال الزبائن عن فئات أصغر.
هذا الواقع ينسحب أيضاً على المهن القانونية والإدارية. فانطلاقا من تجربته محاميا، يلفت خوري إلى أن الرسوم القضائية ورسوم تسجيل الدعاوى باتت تحتسب بعشرات ومئات الملايين، وأحياناً بالمليارات. وفي غياب الشيكات المصرفية، بات حمل هذا الكمّ من الأوراق النقدية عبئا فعليا، بما يجعل زيادة قيمة الفئات حاجة ملحة لا يمكن تجاهلها".
في المقابل، يعتقد البعض أن إصدار فئات أكبر قد يساهم في التضخم. إلا أن هذا الربط، وفق خوري، لا يستقيم اقتصاديا. فالتضخم في رأيه "لا ينتج من حجم الورقة النقدية أو رقمها، بل من السياسات المالية والنقدية ومستوى العجز والإنفاق، فيما زيادة الفئات تسهل عمليات التداول".
أوراق نقدية جديدة
إلى البعد الاجتماعي، تشير مصادر تقنية مصرفية إلى أن تضخم الأرقام بات يرهق الأنظمة المحاسبية والإدارية. فوجود أرقام بمئات آلاف المليارات من الليرات يعقّد العمليات الحسابية ويزيد الكلفة التشغيلية. ورغم أن حذف الأصفار يطرح أحياناً بوصفه حلاً تقنياً، يحمل هذا الخيار أخطاراً واضحة تتعلق بالتسعير".
وقد أظهرت تجارب دولية، ولا سيما في الاتحاد الأوروبي عند الانتقال إلى اليورو، أن تغيير وحدة التسعير قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. لذا، لا يبدو حذف الأصفار خياراً مناسباً في الحالة اللبنانية الراهنة، وهو ما تشير إليه المصادر التي تؤكد أن "لا نية لزيادة الأصفار، فيما المسار المطروح يقتصر على طباعة فئات نقدية أكبر، من دون المساس ببنية العملة".
وفي انتظار أن يصدر القانون الذي يسمح لمصرف لبنان بإصدار فئات فئات أعلى قيمة في الجريدة الرسمية، قد يعمد الأخير إلى طباعة أوراق مثل 500 ألف، ومليون، ومليوني ليرة و5 ملايين ليرة. فورقة الـ5 ملايين تعادل نحو 55 دولاراً، فيما كانت ورقة الـ100 ألف ليرة في مراحل سابقة توازي أكثر من ذلك. وتالياً، ترى المصادر أن بقاء أعلى فئة نقدية دون مستوى الـ50 دولاراً لم يعد منطقياً في اقتصاد تغيرت فيه كل الأرقام.
أما تغيير العملة بالكامل، فيبقى خياراً مختلفاً يتطلب قانوناً خاصاً، ومهلة زمنية طويلة لسحب الأوراق القديمة، وتعديلاً شاملاً في الأنظمة المحاسبية والرواتب وسعر الصرف. وهذا مسار مكلف ومعقد لا يبدو مطروحاً في المرحلة الحالية، وفق ما تؤكد المصادر عينها التي ترى أن طباعة عملات بقيمة أكبر في المدى المنظور هو الحل الامثل.