أسبوعان يحددان.. مَن ربح ومَن خسر؟

7

ليس واضحاً ما إذا كان "وقف إطلاق النار" لأسبوعين يعني فعلاً وقفاً للحرب، أو مجرد استراحة لإعادة ترتيبها. طهران تتعامل مع الاتفاق كتهدئة شاملة تمتد إلى ساحات النفوذ، فيما تنفي تل أبيب ذلك وتؤكد أن العمليات ستستمر حيث ترى ضرورة، وخصوصاً في لبنان. وبين التفسيرين، تتكفل الوقائع بالإجابة: الغارات مستمرة، المسيّرات في الأجواء، والقصف المتبادل لم يتوقف.

من هنا، تبدو المهلة، عملياً، ليست نهاية مواجهة، بل مرحلة انتقالية قبل جولة حاسمة. فالمفاوضات المباشرة المرتقبة في إسلام آباد، برعاية باكستانية، يفترض أن تحدد الاتجاه: تسوية سياسية، أو تصعيد عسكري أوسع.

وفي قراءة أولية لمسار المواجهة، لا تبدو الصورة حتى الآن انتصاراً واضحاً لأي طرف. صحيح أن الضربات الأميركية أصابت بنية عسكرية إيرانية، واستهدفت مواقع مرتبطة بالقدرات الصاروخية، كما سقطت قيادات ميدانية، بدءاً من رأس النظام، ما أحدث خللاً جزئياً في منظومة القيادة والتحكم. عملياً، نجحت واشنطن في تحقيق تفوق عسكري مباشر: ضربت ما أرادت ضربه، ودمّرت أهدافاً استراتيجية، وأصابت البنية القيادية بخلل واضح، ما منحها تقدّماً ميدانياً بالنقاط في هذه المرحلة.

إلا أن هذه النتيجة، رغم وضوحها ميدانياً، لا تختصر طبيعة الصراع. فالحروب لا تُقاس دائماً بنتائجها المباشرة. إيران، رغم الضربات، لم تنهَر، بل حافظت على قدرتها الأساسية في إدارة الصراع غير المباشر. والأهم أن منطقها القتالي لا يقوم فقط على الحسابات العسكرية التقليدية، بل على بُعد عقائدي طويل النفس، قائم على فكرة الاستمرار حتى تحت الخسارة، وعلى ثقافة قائمة على مفهوم الشهادة والاستنزاف. وفي حروب طويلة، يتحول هذا النوع من البنية الأيديولوجية إلى عنصر ترجيح، يسمح لإيران بامتصاص الضربات وإعادة التموضع، ما يجعل كفة المدى البعيد مختلفة عن نتائج المدى القصير.

وعليه، تبدو النتيجة حتى الآن أقرب إلى تفوق أميركي عسكري مباشر، مقابل نظام إيراني متماسك بالحد الأدنى، ومتمسك بالمواجهة، وقادر على تحويل الحرب إلى مسار استنزافي إذا طال أمدها. لذلك، لا يمكن اعتبار ما تحقق حتى الآن حسمًا نهائياً، بل مرحلة أولى في صراع لم تُحسم موازينه بعد.

وانطلاقاً من هذا التوازن الهش، يبرز المسار التفاوضي كامتداد طبيعي للميدان. ففي هذا السياق، طرحت طهران عبر الوساطة الباكستانية تصوراً من عشر نقاط، يقوم على وقف كامل للهجمات، ورفع العقوبات، وضمانات بعدم استهداف إيران مجدداً، إضافة إلى تحييد ساحات الحلفاء، وخصوصاً لبنان، والانتقال إلى اتفاق دائم لا هدنة مؤقتة. كما يتضمن الطرح ترتيبات أمنية في الخليج، والاعتراف بالدور الإقليمي الإيراني، وجدولاً زمنياً لتسوية شاملة. الهدف واضح: تثبيت النفوذ مقابل وقف التصعيد.

في المقابل، وبموازاة هذا الطرح، يتمسك الجانب الأميركي بحزمة أوسع من الشروط، تصل إلى خمسة عشر بنداً، تركز على خفض التخصيب النووي، وضبط برنامج الصواريخ الباليستية، والحد من دعم الحلفاء الإقليميين، وفرض آليات رقابة دولية، إلى جانب ضمان حرية الملاحة وترتيبات أمنية طويلة الأمد. عملياً، تسعى واشنطن إلى تقليص عناصر القوة الإيرانية قبل أي اتفاق نهائي، مستفيدة من التقدم العسكري الذي حققته ميدانياً لتحسين شروط التفاوض.

وبين هذين المسارين، تحاول الوساطة الباكستانية سد الفجوة عبر مقاربة تدريجية: وقف موقت للنار، يليه تفاوض مباشر للوصول إلى اتفاق شامل. أي أن الهدف هو منع الانفجار الكبير، وشراء الوقت لمحاولة بلورة تسوية.

غير أن هذا المسار لا يلغي حضور العامل العسكري. بل على العكس، يبقى عنصر الحسم العسكري حاضراً في الخلفية. فأسبوعان قد يكونان فرصة أخيرة قبل جولة أعنف، خصوصاً أن كلا الطرفين يتعامل مع المهلة كمرحلة تكتيكية. واشنطن تريد تثبيت مكاسبها العسكرية والبناء عليها سياسياً، فيما تحاول طهران امتصاص الضربة وإعادة ترتيب أوراقها على قاعدة النفس الطويل. لذلك، لا يبدو أن المسار محكوم بالمفاوضات فقط، بل بإمكانية العودة إلى التصعيد في أي لحظة.

وفي خضم هذا التداخل بين السياسة والميدان، يبقى لبنان خارج الحسابات السياسية، لكنه داخل المعادلة الميدانية. فالهدنة لا تشمل أراضيه، والضربات مستمرة فوق أرضه، فيما تتحول جبهته إلى مساحة ضغط ضمن المواجهة الكبرى. مرة جديدة، لا يكون لبنان طرفاً في القرار، بل ساحة تُدار فوقها الرسائل العسكرية.

وهكذا، تتضح الصورة أكثر: تفوق عسكري أميركي في المرحلة الأولى، مقابل قابلية إيرانية لتحويل الحرب إلى استنزاف طويل، وتفاوض في العواصم يقابله ميدان مفتوح في لبنان. لا انتصار نهائياً بعد، ولا اتفاق واضحاً في الأفق، بل أسبوعان لتحديد شكل الحرب المقبلة… ومكاسب الحرب نفسها لم تُحسم بعد… ولبنان، كالعادة، ساحة تنتظر النتائج.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: