في قلب لبنان الصاخب، يعيش الصمّ عالماً مختلفًا، مليئًا بالإبداع والعزيمة في التعبير عن الذات. وسيلتهم للتواصل ليست كلمات تقليدية، بل إشارات تترجم مشاعرهم وأفكارهم، لتفتح لهم أبواب العالم وتسمح لهم بأن يكون لهم صوت مسموع وحضور حقيقي. قصتهم ليست ضعفًا، بل إرادة وإصرارًا، ورغبة صادقة في أن يكون لهم مكان في هذا العالم يُفهم فيه صوتهم وتُدرَك فيه لغتهم.
في هذا الإطار، أشارت نائلة حارس، مدرّبة ومترجمة لغة إشارة، في حديثها إلى موقع "LebTalks"، إلى أنّ لغة الإشارة في لبنان لا تزال غير موثّقة رسميًا، ولا معترفًا بها من قبل الدولة كلغة ثابتة يمكن إدراجها ضمن المناهج التعليمية، أو اعتمادها كأساس للتدريب والترجمة ومنح الشهادات. ولفتت إلى أنّ المركز التربوي للبحوث والإنماء لا يتعامل مع لغة الإشارة ضمن هذا الإطار، ما ينعكس سلبًا بشكل مباشر على مجتمع الصمّ.
وأوضحت حارس أنّ هذا الغياب الرسمي يعود إلى نقص واضح في عدد المترجمين المؤهّلين وفق معايير علمية واضحة، إضافة إلى ضعف انتشار لغة الإشارة نتيجة تعدّد اللهجات بين المناطق والمؤسسات التعليمية. وشدّدت على أنّ المشكلة لا تكمن في تنوّع اللهجات بحدّ ذاته، بل في غياب صيغة موحّدة أو مرجعية رسمية يمكن اعتمادها للتقييم والتدريب الأكاديمي والتأهيل المهني.
تحديات الصمّ اليومية
هذا الواقع، بحسب حارس، يفرض على الأشخاص الصمّ بذل مجهود مضاعف، لا سيما في المراحل التعليمية المتقدّمة. ففي الجامعات، يضطر الطلاب الصمّ إلى الجلوس في الصفوف الأمامية، وقراءة حركة شفاه الأساتذة، أو تسجيل المحاضرات وطلب مساعدة مترجمين، لمتابعة دراستهم بفعالية.
أما في بيئة العمل، فأشارت إلى أنّ إدماج لغة الإشارة لا يزال شبه غائب، مؤكدة أنّها لا تعلم عن مؤسسات لبنانية تعتمد لغة الإشارة كجزء من بيئة العمل اليومية، وغالبًا ما تقتصر المبادرات على تجهيزات محدودة لا ترقى إلى الدمج الحقيقي.
وعود بلا تنفيذ والدولة غائبة
وعلى صعيد الدولة، اعتبرت حارس أنّ أبرز مشروع لمعالجة هذه المشكلة هو مشروع توحيد لغة الإشارة اللبنانية، الذي قُدِّم إلى الحكومة اللبنانية خلال رئاسة الرئيس السابق سعد الحريري، وكان مشروعًا متكاملًا من حيث الرؤية، والهيكلية، وآليات التنفيذ، والميزانية. ورغم الوعود بتبنّيه، لم يُستكمل تنفيذه، كما فشلت محاولات لاحقة لإعادة تفعيله.
وأشارت إلى أنّ المدارس والمؤسسات المتخصصة تُجمع على ضرورة أن تكون الدولة الجهة القائدة لهذا المسار، في ظل غياب شبه كامل للدور الرسمي، إذ إنّ الترجمة بلغة الإشارة على شاشة تلفزيون لبنان، على سبيل المثال، لا تُموَّل من الدولة بل من جهات خاصة.
الذكاء الاصطناعي يصطدم بالواقع
وفي ما يتعلّق بالذكاء الاصطناعي، أوضحت حارس أنّ هذه التقنيات تعتمد على توافر محتوى وبيانات كافية. ففي لغات الإشارة المعتمدة عالميًا، أتاح الكمّ الكبير من المحتوى المصوَّر تطوير أنظمة قادرة على قراءة لغة الإشارة وتحويلها إلى نص أو كلام، والعكس عبر تقنيات الـ"Avatar".
أما في حالة لغة الإشارة اللبنانية، فإنّ غياب التوحيد والمرجعية الرسمية، إلى جانب محدودية المحتوى المتاح للعامة، يعيق تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي فعّالة. ورغم ذلك، لفتت حارس إلى وجود طاقات شبابية ومواهب تكنولوجية في لبنان تسعى إلى تطوير تطبيقات تخدم لغة الإشارة، ما يؤكد أنّ الإمكانات موجودة لكنها تحتاج إلى تنظيم واعتماد رسمي.
الحلّ العملي يبدأ من تبنّي الدولة لغة الإشارة ضمن المناهج الدراسية الرسمية، وتعميمها في المدارس عبر المركز التربوي للبحوث والإنماء، معتبرةً أنّ هذه الخطوة تشكّل أولوية ملحّة من شأنها تعزيز الدمج والوعي المجتمعي، وفتح الباب أمام مبادرات تعليمية وتكنولوجية تُنصف مجتمع الصمّ وتضمن حقوقه.