"أنا ابن الجنوب".. وهذه قصتي

6165d907-8942-434b-a825-42b6f7a1f7a3

"أنا ابن الجنوب، هُجّرت وخسرت، وانتمائي لم يعد كما كان"، قالها وهو ينظر بعيداً، كأنّه يحاول أن يهرب من شيء يسكن داخله. لم تكن جملة سياسية، ولا موقفاً إعلامياً، ولا محاولة للظهور. كانت أقرب إلى جلسة اعتراف "سرية" لرجل تعب من حمل الخسارة وحده.

في تلك اللحظة، لم يكن يتحدث عن الحرب كعنوان عريض يُعرض على شاشات الأخبار، بل عن حياته الشخصية التي سقطت دفعة واحدة تحت الركام.

كان يتحدث عن بيت بناه طوال عمره، عن غرفة أولاده، عن صور العائلة المعلّقة على الجدران، عن القهوة التي كان يشربها صباحاً أمام منزله، عن الطريق التي يحفظ تفاصيلها حجراً حجراً، كل ذلك اختفى فجأة.

يقول إنه عندما نزح من النبطية، لم يحمل معه سوى بعض الثياب، أما الباقي فتركه خلفه، عمره، تعبه، ذكرياته، وكل الأشياء الصغيرة التي لا يعرف الإنسان قيمتها إلا عندما يخسرها.

لم يكن غاضباً بقدر ما كان مكسوراً، الرجل الذي عاش سنوات طويلة يردّد الشعارات نفسها، وجد نفسه فجأة عاجزاً عن تصديقها.

"أي تحرير هذا الذي يريدوننا أن نحتفل به؟"، يسأل بحرقة، "أي تحرير ونحن مشرّدون؟ أي تحرير والجنوب لا يزال مهدداً، والناس خائفة، والبيوت مهدّمة، والإسرائيلي لا يزال يحتل أرضنا؟".

ثم يصمت، صمت طويل يشبه التعب أكثر مما يشبه التفكير.. ويقول إن كثيرين في الجنوب يشعرون بما يشعر به، لكنهم لا يتجرأون على الكلام. فداخل البيئة نفسها، هناك اعتراض كبير يتنامى منذ بداية الحرب، وخصوصاً لدى أولئك الذين دفعوا الثمن الحقيقي من بيوتهم وأرزاقهم وأولادهم.

"الناس ليست كلها مقتنعة، لكن الخوف أكبر من الصوت، الخوف من التخوين، الخوف من أن يتحول الاعتراض إلى خيانة، الخوف من المجتمع نفسه"، ويتابع: "اذا الغريب يخون ويهدد فما بالك عن أب البيئة إذا عارض؟".

يضيف أن قرار الدخول في الحرب تحت عنوان "مساندة إيران" كان يجب أن يكون مدروساً أكثر، لأن من دفع الفاتورة في النهاية هم أبناء الجنوب أنفسهم، لا السياسيون ولا أصحاب الخطابات.

ثم يبتسم "ابن الجنوب" بمرارة، قبل أن يستخدم تشبيهاً بدا كأنه خرج من وجع شخصي عميق: "علاقة الحزب وايران تشبه علاقة فتاة اختارت الزواج فقط بدافع الحب والجمال الخارجي، من دون ان تنظر الى المضمون الحقيقي للعلاقة، او الى الاستقرار والاهتمام والمسؤولية والنتائج المستقبلية. وبعد سنوات، تكتشف انها اخطأت في الاختيار، وان العاطفة وحدها لا تكفي لبناء حياة آمنة ومستقرة".

وهكذا برأيه، تم ربط مصير الجنوب ولبنان بخيارات إقليمية وبكبسة زر ايرانية لم تحسب نتائجها على الناس الذين دفعوا الثمن من بيوتهم وأرزاقهم وأمان أولادهم، ولو كان نصرالله حياً لكنا سمعنا مرة ثانية "لو كنت أعلم".

بيوت مهدّمة، قرى فارغة، أرزاق ضائعة، وأمهات ينتظرن عودة حياة لم تعد تشبه ما كانت عليه.

وفي نهاية الحديث، بدا واضحاً أن الحرب لم تسرق منه منزله فقط، الأخطر أنها سرقت من كثيرين القدرة على الكلام.

فاليوم، يعيش الجنوبي بين خوفين: الخوف من أن يخسر كل شيء بسبب الحرب، والخوف من أن يخسر نفسه إذا قرر أن يقول الحقيقة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: