أعاد السجال الذي رافق أرقام المساعدات المخصصة لمواجهة تداعيات الحرب الأخيرة ودعم النازحين من الجنوب والضاحية، فتح النقاش حول حجم التمويل المتوافر وآليات إنفاقه.
فبينما ركّزت بعض التقارير على مبلغ 50 مليون دولار فقط، تؤكد وزارة المالية أن الصورة أكثر تعقيداً وتشمل مصادر تمويل متعددة محلية ودولية.
في هذا السياق، شرح مرجع إقتصادي مطلع على ملف التمويل والإغاثة في حديث لموقع LebTalks الخلفيات المالية والواقع الفعلي للأموال المرصودة.
ووفق المرجع، فإن الـ50 مليون دولار تمثل الاعتمادات التي رُصدت مباشرة عبر وزارة الشؤون الاجتماعية من الخزينة العامة، لكنها لا تشمل التمويلات الأخرى التي أتت عبر مؤسسات دولية أو عبر وزارات وهيئات رسمية مختلفة.
لذلك، وبالنظر إلى مجمل التدفقات المالية، يبرز تمويل من البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، إضافة إلى مساهمات عبر وزارة الصحة والهيئة العليا للإغاثة ومجلس الجنوب.
لذلك يوضح المرجع المطلع أن اختزال الملف بمبلغ واحد يعطي انطباعاً غير دقيق عن حجم الموارد المتاحة.
وعن أبرز مصادر التمويل الحالية بحسب الأرقام المتداولة داخل المؤسسات المعنية، يشير المرجع ذاته إلى أن نحو 200 مليون دولار مرتبطة ببرامج يمولها البنك الدولي تشمل الحماية الاجتماعية وبعض مشاريع إعادة التأهيل، إضافة إلى تمويل أوروبي يتجاوز 70 مليون يورو موزعة على مراحل مختلفة.
ومعلوم أن وكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية الدولية تساهم ببرامج دعم وإغاثة قُدّرت قيمتها بأكثر من 130 مليون دولار، فضلاً عن التمويلات المخصصة للقطاع الصحي والاستشفائي.
وهنا يجب التمييز بين الأموال المخصصة فعلياً لإعادة الإعمار والأموال التي تُستخدم لإدارة التداعيات الإنسانية والاجتماعية للحرب، إذ يكشف المرجع عن أن معظم الأموال المتاحة اليوم تندرج ضمن إطار إدارة الأزمة وليس إعادة الإعمار، بسبب الفارق بين تمويل مساعدات نقدية للأسر المتضررة أو دعم الخدمات الصحية والتعليمية وبين إعادة بناء المنازل والبنى التحتية وشبكات الكهرباء والمياه والطرقات، فحتى الآن، القسم الأكبر من التمويل يهدف إلى احتواء التداعيات الاجتماعية ومنع تدهور الأوضاع المعيشية أكثر، وليس إلى إطلاق ورشة إعادة إعمار شاملة.
وعن تناقض الأرقام والضبابية حول حجم المساعدات، يوضح المرجع الإقتصادي أن السبب يعود إلى توزيع التمويل على جهات متعددة وغياب منصة مركزية موحدة تنشر بشكل دوري كل التدفقات المالية والمبالغ المصروفة، حيث، هناك وزارات وهيئات رسمية، ومؤسسات دولية، وصناديق مانحة، وبرامج مستقلة نسبياً عن بعضها البعض، ما يجعل من الصعب تكوين صورة واضحة حول الحجم الحقيقي للمساعدات، كما أن بعض الجهات تتحدث عن الأموال المخصصة، فيما تتحدث جهات أخرى عن الأموال التي صُرفت فعلياً، وهو ما يخلق التباساً إضافياً.
وبالتالي، يمكن القول إن حجم المساعدات وكيفية توزيعها أصبحا معياراً يُقاس من خلاله أداء الدولة وقدرتها على إدارة الأزمة، في تقدير المرجع الذي يربط الملف مباشرة بعلاقات لبنان مع الجهات المانحة الدولية وبمستوى الثقة في مؤسسات الدولة، ولهذا السبب، يتحول كل نقاش حول المبالغ المرصودة أو المصروفة إلى جزء من السجال السياسي الأوسع حول الحوكمة والشفافية وأولويات الإنفاق العام، خصوصاً وأن الأرقام تكشف عن أن حجم التمويل المتاح أكبر بكثير من المبالغ التي تم تداولها في الأيام الأخيرة، إلا أن ذلك لا يعني أن لبنان بات يمتلك الموارد الكافية لإعادة بناء المناطق المتضررة، فالمشكلة الأساسية لا تكمن فقط في حجم الأموال، بل في غياب رؤية موحدة تجمع بين الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار ضمن إطار مالي واضح وشفاف.