ككلّ ليلة رأس سنة، تتصدّر توقّعات المنجّمين المشهد الإعلامي. اللبنانيّون، في منازلهم، يترقّبون ما سيُقال عن العام الجديد، بين السياسة والاقتصاد والمجتمع. ومن بين الأسماء التي تعود سنوياً إلى الواجهة، يبرز اسم ميشال حايك، حاملاً ما يسمّيه "رؤى" عن المستقبل.
إلّا أنّ توقّعات هذا العام لم تتوقّف عند حدود السياسة أو التحليل، بل تخطّت الخطوط الحمراء، ودخلت إلى الحيّز الديني، حين جرى استحضار اسم القدّيس مار شربل في سياق الحديث عن "حلّ مشكلة حزب الله وسلاحه"، عبر توقّع ما وُصف بـ"أعجوبة" تحصل بشفاعته.
هنا، لم يعُد الأمر مجرّد قراءة للمستقبل، بل تحوّل إلى مساس بالعقيدة وحدود المقدّس. فالتنجيم، بحسب تعليم الكنيسة، مرفوض من الأساس، والإيمان ليس لعبة، واستدعاء القدّيسين لأغراض التوقّعات خطأ فادح وتشويه لجوهر رسالتهم.
"لو يتركون مار شربل والقدّيسين"
في هذا السياق، يُحذّر الأب جو عيد من خطورة ما يحصل، مؤكّداً أنّ "المنجّمين يستغلّون الناس مادّياً وروحياً ونفسياً، مستفيدين من خوفهم وقلقهم على المستقبل". ويشدّد، في حديث خاصّ إلى موقع LebTalks، على أنّ "إدخال القدّيسين في هذا السياق يُعدّ تشويهاً مباشراً لرسالتهم الروحيّة".
موقف الكنيسة من التنجيم
يؤكّد الأب عيد أنّ "الكنيسة تقف بوضوح ضدّ التنجيم وقراءة المستقبل"، مستنداً إلى تعليم المسيح في الإنجيل: "أمّا الأزمنة والأوقات فلا أحد يعرفها سوى الآب وحده".
ويشرح أنّ الإيمان المسيحي يقوم على مفهوم الشراكة بين مشيئة الله وحرّيّة الإنسان، ما يعني أنّ المسيحيّين ليسوا قدريّين، ولا يؤمنون بالحظّ أو بالسحر. فالصلاة "لتكُن مشيئتك" لا تعبّر عن خضوع أعمى، بل عن قبول واعٍ نابع من الحرّيّة والمسؤوليّة.
يضيف: "لا شيء مكتوب سلفاً، بل يُصنَع ويُكتشَف عبر الإيمان والمسؤوليّة". ومن هنا، يرى أنّ التوقّعات تُدخل الإنسان في منطق القدريّة، ما يشكّل خطراً مباشراً على حرّيّته وكرامته، ويتعارض مع صورة الله المحبّ في الإيمان المسيحي.
"الكنيسة لا تمتلك سلطة المنع"
وحول استخدام أسماء القدّيسين في التنجيم، يوضح الأب عيد أنّ "الكنيسة لا تمتلك سلطة المنع، لكنّها تؤدّي دور صوت الضمير"، ساعيةً إلى توعية الإنسان من المخاطر الروحيّة والنفسيّة لهذا المسار.
ويشبّه الكنيسة بالأمّ التي تخاف على أولادها، محذّراً من أنّ الانخراط في عالم التوقّعات قد يقيّد الإنسان نفسيّاً، ويدفع البعض إلى اتّخاذ قرارات مصيريّة بناءً على أوهام.
وعن زجّ اسم مار شربل في توقّعات تتعلّق بملفّ سياسي شائك كملفّ حزب الله وسلاحه، يقول الأب عيد إنّ مار شربل، الذي عاش حياة تسليم كامل لله، وقضى ساعات طويلة في الصلاة والعبادة، متجرّداً من كلّ منطق بشري، "لن يكون راضياً عن إدخال اسمه في عالم التوقّعات والقدريّة"، مضيفاً: "لو يتركون مار شربل والقدّيسين بعيداً من توقّعاتهم".
ويشبّه هذا السلوك بتقديم السمّ في قالب جميل: فعندما تُلبَس التوقّعات ثوب القداسة، تصبح أكثر خطورة، لأنّها تُقدَّم على أنّها خير، فيما تحمل في داخلها ضرراً عميقاً.
الإيمان المسيحي والحرّيّة
يشدّد الأب عيد على أنّ العلاقة مع الله ليست ساحة صراع، بل شراكة قائمة على المحبّة، وأنّ الإيمان لا يقوم على السحر أو التوقّعات، بل على مسؤوليّة الإنسان في تقرير مصيره.
ويرفض الفكرة القائلة إنّ الصلاة تغيّر الأحداث بطريقة سحريّة، مستشهداً بقول للأمّ تيريزا: "عندما أتغيّر، يتغيّر كلّ شيء، لأنّ نظرتي إلى الآخر تصبح مختلفة".
فالمطلوب، بحسب الأب عيد، أن يعمل الإنسان على تغيير نفسه، لا أن ينتظر تغيّر الأحداث، لأنّ المسيحي يؤمن أنّه خُلق على صورة الله ومثاله، ويتمتّع بكرامة تجعله شريكاً في صنع مستقبله.
رسالة إلى المنجّمين ومؤمني الخرافات
في ختام حديثه، يوجّه الأب جو عيد رسالة مباشرة إلى المنجّمين، وخصوصاً إلى ميشال حايك وكلّ من يؤمن بهذه الخرافات، مناشداً إيّاهم التأمّل في قصّة المجوس.
يوضح أنّ المجوس كانوا علماء فلك، وقد قادهم النجم إلى المسيح، لكن بعد لقائهم به، لم يعُد الله يكلّمهم عبر النجوم، بل عبر الأحلام، كما ورد في إنجيل متّى (2: 12): "إِذْ أُوحِيَ إِلَيْهِمْ فِي حُلْمٍ أَنْ لاَ يَرْجِعُوا إِلَى هِيرُودُسَ، انْصَرَفُوا فِي طَرِيقٍ أُخْرَى إِلَى كُورَتِهِمْ".
وعندما عادوا إلى بلادهم، عادوا وقد تغيّروا، وأصبحوا مؤمنين. ويختم قائلاً: "ليت من يلجأون إلى النجوم يتعلّمون كيف يتخلّون عنها، عندما يصلون إلى المسيح".