لا يمكن فصل الاستحقاقات الأمنية والسياسية التي يمرّ بها لبنان هذا الأسبوع عن التحولات الإقليمية العميقة، وفي مقدّمها سقوط نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، وتصاعد الاحتجاجات داخل إيران ضد النظام. تطورات تُضعف بيئة الدعم التقليدية لمحور إيران، وتنعكس مباشرة على موقع حزب الله وحساباته في الداخل اللبناني.
ورغم ثقل الحدث الفنزويلي، تشير مراجع سياسية لبنانية إلى تعمّد القوى الرسمية والسياسية عدم التعليق إيجاباً أو سلباً على ما يحصل في فنزويلا، تفادياً لأي انعكاسات قد تؤثر على علاقة لبنان بالولايات المتحدة الأميركية، في ظل مرحلة دقيقة يسعى فيها لبنان إلى تجنّب أي مواقف قد تفسَّر خارج سياقها الداخلي.
محلياً، يدخل لبنان أياماً مفصلية تبدأ باجتماع عسكري ضمن "الميكانيزم" الأربعاء، من دون مشاركة مدنيين، في إشارة واضحة إلى حساسية المرحلة وحصر النقاش بالمعطيات الميدانية. ويفترض أن يُستكمل هذا المسار الخميس، مع عرض تقرير الجيش اللبناني النهائي أمام مجلس الوزراء حول ملف سحب سلاح حزب الله، قبل أن ينتقل هذا الملف مساءً إلى طاولة الكابينت الإسرائيلي.
وفي هذا السياق، من المرتقب أن يعرض قائد الجيش التقرير النهائي، معلناً إنجاز المرحلة الأولى من الإجراءات، إلا أن عدم تحديد سقف زمني واضح للمرحلة الثانية قد يشكّل العقدة الأساسية.
وبحسب مصادر سياسية لموقع LebTalks فإن هذه النقطة ستكون مدار نقاش حاد داخل الجلسة الحكومية، وسط إصرار عدد من الأطراف على ضرورة تحديد مهلة زمنية واضحة لإنجاز المرحلة الثانية، ما ينذر بتوتر سياسي خلال البحث، ويعكس حجم التباين في مقاربة هذا الملف الحساس.
غير أن قراءة هذه التطورات لا تكتمل من دون ربطها بالسياق الإقليمي، فسقوط مادورو لا يعد حدثاً معزولاً، بل يشكّل ضربة سياسية واقتصادية لمحور لطالما استخدم فنزويلا كمساحة خلفية للنفوذ والالتفاف على العقوبات. ومع تراجع هذا الغطاء، تضيق هوامش التمويل والحركة أمام حزب الله، في لحظة يحتاج فيها إلى أقصى درجات التماسك.
في موازاة ذلك، تشهد إيران موجة احتجاجات متجددة ضد النظام، تعكس أزمة داخلية متفاقمة، سياسية واقتصادية واجتماعية. هذه الاحتجاجات، حتى وإن لم تصل إلى حد تهديد مباشر لبنية النظام، تفرض عليه إعادة ترتيب أولوياته، وتحدّ من قدرته على ضخ الدعم السياسي والمالي لحلفائه في الخارج بالوتيرة نفسها.
هذا الضغط المزدوج، من الخارج ومن الداخل الإيراني، يضع حزب الله أمام معادلة دقيقة، فالتشدد الميداني قد يُستخدم كأداة لفرض توازن ردع أو كرسالة قوة، لكنه في المقابل قد يفتح الباب أمام تصعيد لا يملك الحزب ولا لبنان ترف تحمّله في ظل الإنهاك الاقتصادي والسياسي.
من هنا، تكتسب نتائج اجتماع "الميكانيزم" وتقرير الجيش اللبناني أهمية استثنائية، ليس فقط كوثيقة داخلية، بل كورقة تقرأ دولياً وإسرائيلياً. اجتماع الكابينت الإسرائيلي سيشكّل محطة تقييم حاسمة، حيث سينظر إلى التقرير من زاوية مدى جديته وقدرته على ترجمة خطوات ملموسة على الأرض، لا من زاوية النيات أو التوازنات اللبنانية.
في حال اعتبرت إسرائيل أن ما قدّم غير كاف، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، سواء عبر ضغوط أمنية محدودة أو رسائل عسكرية محسوبة. أما في حال القبول المشروط، فقد تدخل المنطقة في مرحلة تهدئة هشة، مرتبطة بتطورات الداخل الإيراني أكثر مما هي مرتبطة بالوضع اللبناني وحده.
كل ذلك يتزامن مع الذكرى الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية جوزاف عون، في لحظة يُفترض أن تكون محطة تقييم للعهد، لكنها تتحوّل إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة أخطر ملفاتها السيادية في ظل تغيّر موازين القوى الإقليمية.
وما بين احتجاجات طهران، وسقوط كاراكاس، وضغوط الجنوب، تتقلص هوامش المناورة أمام حزب الله. فالأيام المقبلة لن تحدّد فقط مسار التصعيد أو التهدئة، بل سترسم شكل المرحلة المقبلة في لبنان، في ظل إقليم يعاد تشكيله من الداخل قبل الخارج. ووسط هذه التحولات، يبرز لبنان أكثر فأكثر كبلد كان ممسوكاً، سياسياً وأمنياً، ضمن شبكة نفوذ امتدت من إيران إلى فنزويلا وحلفائهما، وهو واقع يتكشف يوماً بعد يوم مع اهتزاز ركائز هذا المحور إقليمياً.