لم يعد ما يحصل في لبنان قابلاً للتفسير بلغة ديبلوماسية هادئة، لأن ما يحصل هو تحدٍ مباشر وصريح لهيبة الدولة وقرارها.
بعدما خطفت إيران قرار الحرب والسلم في لبنان عبر حزب الله، تحاول اليوم الذهاب أبعد من ذلك، من خلال تحدي الدولة اللبنانية بشكل مباشر، عبر تمسّك سفيرها بالبقاء في بيروت، رغم صدور قرار رسمي بطرده وانتهاء المهلة المحددة له مساء الأحد.
اليوم يوم جديد، لكن المعادلة يجب أن تتغيّر. من غير المقبول أن يستمر هذا التحدي وكأنه أمر عادي. المطلوب واضح: أن يلتزم السفير الإيراني حدود سفارته غير المرحّب بها، وألا يغادرها، لأن أي خروج منها يجب أن يُقابل بإجراء حاسم. فلا يمكن أن يُعامل من يضرب سيادة لبنان وكأنه فوق القانون، بل يجب أن يُعامل كما يُعامل أي شخص ألحق الضرر بلبنان وسمعته وقراره ومستقبل أبنائه.
أما إلى بيئة حزب الله التي تناشد بقاءه، فالحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي التالية: هذا السفير لم يحمِكم يوماً، ولم يؤمّن لكم الاستقرار. هذا السفير كان جزءاً من المسار الذي أوصلكم إلى ما أنتم عليه اليوم.
هذا السفير هو الذي ساهم في تهجيركم، وهو الذي سلب منكم أبسط حقوق العيش بسلام، وهو الذي وضعكم في مواجهة دائمة مع محيطكم ومع دولتكم.
هذا ليس سفيراً معنياً بلبنان، ولا بمصلحة اللبنانيين. هذا سفير مشروع خارجي، لا يرى فيكم إلا ورقة في صراع أكبر، ولا يأبه إلا بحسابات الولي الفقيه، مهما كان الثمن على هذا البلد.
في المقابل، وعلى الأرض، يتكشّف مشهد إنساني قاسٍ في الجنوب اللبناني، وخصوصاً في البلدات المسيحية مثل دبل وعين إبل ورميش، التي تواجه عزلة شبه كاملة نتيجة الأوضاع الأمنية. الطرق المؤدية إلى هذه البلدات مقطوعة، والإمدادات الغذائية والطبية شبه منعدمة، فيما يجد السكان أنفسهم محاصرين داخل قراهم، غير قادرين على المغادرة أو تأمين احتياجاتهم الأساسية.
في بلدة دبل تحديداً، تتفاقم الأزمة بشكل خطير، حيث تقترب الظروف من حالة حصار فعلي، مع غياب كامل لأي دعم خارجي. الأهالي هناك يواجهون خطر يتمثل في نقص الغذاء والدواء، ما يضع الأطفال والمرضى وكبار السن في مواجهة مباشرة مع أوضاع إنسانية صعبة. هذه البلدات، التي لطالما شكّلت نموذجاً للتنوع والعيش المشترك في الجنوب، تبدو اليوم وكأنها تُترك لمصيرها في واحدة من أصعب اللحظات.
أما على المستوى العسكري، فيشهد المشهد تصعيداً غير مسبوق، في ظل تحركات إسرائيلية متسارعة يقودها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يعمل على توسيع المنطقة الأمنية العازلة، في خطوة تحمل أبعاداً استراتيجية تهدف إلى تثبيت واقع أمني جديد على الحدود.
وفي تطور لافت، أعلن الجيش الإسرائيلي دخوله إلى منطقة رأس البيضاء في جنوب لبنان من الجولان، وهو تحرك غير اعتيادي يرفع منسوب التوتر في المنطقة، ويؤشر إلى احتمال توسّع رقعة العمليات العسكرية. فهذا التقدم لا يمكن فصله عن سياق أوسع من إعادة رسم خطوط الاشتباك، ما يضع لبنان في دائرة الخطر المباشر، خصوصاً في ظل هشاشة الوضع الداخلي وضعف القدرة على حماية المدنيين في المناطق الحدودية.
ولا يمكن قراءة كل هذه التطورات بمعزل عن السياق الإقليمي الأوسع، في الإطار، لاحظت مصادر عسكرية في حديث لموقع LebTalks التراجع في القدرات الصاروخية الإيرانية، حتى في قصف دول الخليج العربي وإسرائيل في الأيام الأخيرة، ما يؤكد التقارير السابقة التي تحدثت عن تدمير ما نسبته 90% من تلك القدرات، بالإضافة إلى المسيّرات، فيما تم تدمير 90% من الدفاعات الجوية وكامل سلاح الجو الإيراني.
وفي هذا السياق، يترقّب العالم مهلة العشرة أيام التي منحها دونالد ترامب لإيران، في ظل تصاعد التوتر وارتفاع منسوب التهديدات، وسط معلومات متداولة عن تحضيرات أميركية لسيناريو تدخل بري محتمل، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في المنطقة.