بعد أسابيع من الجدل والبلبلة، كشفت مصادر LebTalks عن التوصّل إلى اتفاق مع رئيس الحكومة يقضي بعدم إنشاء مشاريع إيواء قرب مرفأ بيروت، في خطوة تعكس حجم الضغط الشعبي والسياسي الذي رافق هذا الملف. القرار، وإن بدا تقنياً في ظاهره، إلا أنه يحمل أبعاداً أعمق تتعلق بالحساسية الأمنية لمحيط المرفأ، وبالرمزية التي لا تزال تختزنها هذه البقعة في الذاكرة اللبنانية منذ انفجار الرابع من آب.
على الأرض، المشهد يتغيّر. التصعيد الإسرائيلي لم يتراجع، لكنه يعيد تموضعه، انخفاض ملحوظ في وتيرة الغارات الجوية، مقابل تصعيد بري واضح. هذا التحوّل ليس عابراً، بل يعكس توجهاً استراتيجياً نحو تثبيت وقائع ميدانية مباشرة، بدل الاكتفاء برسائل نارية من الجو.
في هذا السياق، يبرز استهداف جسر القاسمية كحدث مفصلي. فالجسر لا يُعد مجرد نقطة عبور، بل شرياناً حيوياً يربط الجنوب اللبناني بعمقه الداخلي، واستهدافه يحمل دلالات عسكرية ولوجستية واضحة، تهدف إلى خنق الحركة وإرباك خطوط الإمداد، وفرض عزلة تدريجية على مناطق الاشتباك.
سياسياً، تعود المفاوضات بين لبنان وإسرائيل إلى الواجهة، ولكن بصيغة مختلفة. لا طاولات فعلية، بل رسائل بالنار. فبعد رفض إسرائيلي واسع لأي تسوية لا تتضمن تغييرات جذرية في الواقع الأمني، جاءت الضربات التي طالت وسط بيروت لتؤكد أن الضغط العسكري هو الأداة التفاوضية الأولى في هذه المرحلة.
مصادر عسكرية تشير لـLebTalks إلى أن أي مسار تفاوضي جدي يبقى معلقاً في ظل استمرار سلاح حزب الله. فبالنسبة لإسرائيل، لا يمكن الحديث عن حلول مستدامة قبل "حسم" هذا الملف. وبمعنى أوضح، الهدف هو إنهاء قدرة الحزب العسكرية، وعندها فقط يمكن العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط جديدة.
أما ما يحصل في لبنان لا يمكن فصله عن المشهد الأوسع. التوتر بين إيران وإسرائيل بلغ مستويات غير مسبوقة، فيما يلوح في الأفق شبح أزمة في مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة في العالم. أي اهتزاز في هذا الممر الحيوي لن يبقى محصوراً في الخليج، بل سينعكس فوراً على موازين القوى الإقليمية، وعلى وتيرة التصعيد في ساحات مثل لبنان.
في هذا الإطار، يبدو لبنان مجدداً ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. بين حسابات طهران وتقديرات تل أبيب، تضيق مساحة القرار الداخلي، ويتحوّل البلد إلى نقطة تماس متقدمة في صراع أكبر منه بكثير.
وكانت لافتة مواقف رئيس الحكومة نواف سلام خلال مقابلة تلفزيونية، والذي عكس توجهاً واضحاً في التعامل مع الأزمة الحالية، إذ شدّد على أن المرجعية الوحيدة للبنانيين يجب أن تكون الدولة، وأن حصرية السلاح بيدها تشكّل شرطاً أساسياً للاستقرار. وأكد رفضه القاطع لتحويل لبنان إلى ساحة تُستخدم للإساءة إلى الدول العربية، منتقداً إطلاق الصواريخ من قبل حزب الله لما خلّفه من موجات نزوح واسعة وتداعيات سلبية على صورة الحكومة ومصداقيتها.
وفي الشق السياسي، أوضح سلام أن أي مسار تفاوضي مع إسرائيل يجب أن ينطلق من هدف أساسي يتمثل بوقف إطلاق النار وانسحابها من الأراضي اللبنانية. أما في ما يخص ملف النازحين، فأشار إلى أن الحكومة تتابع هذا الملف ضمن قدراتها المتاحة، نافياً في الوقت نفسه وجود أي نية لإجراء تعديل حكومي في المرحلة الراهنة.
هذه المواقف تعكس تمسّك الحكومة بمبدأ الشرعية، وسعيها لفرض دور الدولة في مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، ما يضع لبنان أمام مرحلة دقيقة تتصاعد فيها المواجهة بين مؤسسات الدولة والقوى المسلحة خارج إطارها.
فالبلد اليوم أمام معادلة معقّدة، تصعيد ميداني يتخذ أشكالاً جديدة، مفاوضات مؤجلة تُدار بالنار، وضغط إقليمي يتصاعد. وفي ظل غياب رؤية داخلية موحّدة، فهل يستطيع لبنان تفادي الانزلاق إلى مواجهة أوسع، أم أنه بات فعلاً في قلب العاصفة التي لا يمكن الخروج منها بسهولة؟