الأزمة الإيرانية في أبعادها الجيوسياسية المتشابكة إقليمياً ودولياً

iran-newewi-rehz318l60mc1zl2zuwvq4b2hlhzeot5dznji9y1b4-1-rgx0goks27kmouwblhpc9iljcaj6scj8ib8kgbtezk

بات من الواضح مع مرور الأيام والأسابيع على انتظار الضربة الاميركية للنظام الايراني ان جملة تشابكات وتعقيدات جيوسياسية قد طرأت على المشهد الاقليمي حيال الملف الايراني.

نبدأ بالدول الاقليمية وتركيا لنقول إن جدية ادارة الرئيس الأميرطي دونالد ترامب في توجيه ضربة للنظام الايراني قد تفضي لاسقاطه بضغط اسرائيلي، وضعت دول المنطقة امام نوع من الاختبار الصعب لساعة الحقيقة، بحيث ان تلك الدول وبخاصة الخليجية التي لطالما اختبرت اهمال الادارات الديموقراطية لمصالح الخليج في سياساتها مع الايرانيين وصولاً الى اتفاق نووي العام ٢٠١٥ والتي لطالما اشتكت من خطر نظام الملالي وتأثيراته السلبية على دولهم من خلال تصدير الثورة وخلق اذرع عسكرية لزعزعة امن وسلام دول المنطقة تلك الدول نفسها اليوم تواجه الوجه الاخر من سياسات الادارات الاميركية وهو الوجه الجمهوري المستعد للذهاب الى الاخير ضد نظام الملالي ما استبدل لدى دول الخليج "نقزة" اهمال وعداء الادارات الديموقراطية من باراك اوباما الى جو بايدن "بنقزة" من نوع اخر على الطرف النقيض الا وهي النقزة من انهيار النظام في ايران والقضاء عليه لما سوف يخلفه من جهة من تداعيات امنية وجيو استراتيجية على دول الخليج فضلاً عن تداعيات جيو سياسية ليس اقلها القلق الخليجي من "اليوم التالي" اذ ان احلال نظام ايراني جديد موالي لاميركا واسرائيل سوف يحرف انظار وانتباه وتركيز واشنطن عن علاقاتها مع الخليجيين ما يخشاه هؤلاء ومن هنا على ما يبدو تفضيلهم لبقاء النظام وإضعافه ديبلوماسياً وسياسياً بقدر الامكان لا اسقاطه كي يبقى الاهتمام الاميركي منصباً على تقوية التحالفات مع الدول الخليجية على حساب نظام يستقطب العداء الغربي ويعزز مكانة درل المنطقة لمحاصرته ومواجهته من دون حرب.

وبالنسبة لتركيا الهواجس شبيهة، اذ ان "انقرة" تنظر الى الموضوع الايراني جيو سياسياً من منظارين:

الاول المنظار الجيو سياسي الذي بموجبه لا تريد تركيا في اليوم التالي لسقوط النظام او إضعافه ان ينفجر اللغم الكردي الايراني امامها ما سيعني تعزيزاً لدور ووجود الاكراد على طول الشريط الممتد من ايران الى شمال سوريا مروراً بالعراق.

الثاني المنظار السياسي حيث لا توافق تركيا على قيام نظام ايراني متحالف مع اسرائيل في ايران ذات الموقع الاستراتيجي والجيوسياسي المميز والمترامي الاطراف والعزيز جدا بثروات طبيعية ونفط وغاز يجلب الاستثمارات الاجنبية على حساب تركيا وموقعها واقتصادها بما قد يحرف الانظار والاهتمامات الدولية ايضا عنها لحساب الحليف الجديد الجميل والغني.

اما على الصعيدين الصيني والروسي: فالصين التي كانت قبل ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣ قد بدأت بدخول بوابات المنطقة عبر دول الخليج واهمها المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا.. وايران وقد ابرمت اتفاقا معها بقي سرياً في مضامينه لمدة ٢٥ سنة لتطوير البنى التحتية وبعضا من ترسانة طهران العسكرية فالصين  رأت نفسها بعد ٧ تشرين الاول ٢٠٢٣ امام عودة الولايات المتحدة الكبيرة على الساحة الاقليمية دعماً لاسرائيل وقد عمدت واشنطن الى التعويض عن الاذلال الذي تعرضت له مع ادارة بايدن الديموقراطية بانسحابها من افغانستان والعراق من خلال دعم ادارة الجمهوريين للتوجه الاسرائيلي واليميني المتطرف في قلب واشنطن بقلب الطاولة على محور ايران بدأ من حماس والجهاد الاسلامي في غزة مروراً بحزب الله في لبنان (حرب ٢٠٢٤ واغتيال نصرالله وقيادات الحزب وتدمير ثلثي بنيته التحتية) وصولاً الى ضرب الحوثيين بقساوة والحشد الشعبي في العراق بنفس القوة.

الصين عندها وجدت ان خطها الاحمر القاضي بعدم مواجهة الاميركيين مباشرة هو بضمان استمرار ما تبقى من مصالح مع الايرانيين وبخاصة في موضوع النفط وهو نفس الحساب لدى الروس سيما وان ٧ تشرين الاول اسقطت فكرة القطبية العالمية المتعددة التي كانت روسيا والصين تعملان عليه غي عهد الادارة الاميركية الديموقراطية مع بايدن لمواجهة واشنطن الضعيفة دولياً واقليمياً والدليل اضمحلال اي تحرك لما سمي بمحور دول "البريكس" منذ اعتلاء الرئيس دونالد ترامب المكتب البيضوي لولاية ثانية.

واشنطن ترامب كبحت جماح بكين نحو البحر الابيض المتوسط ومنطقة الخليج واشكالية فنزويلا والرئيس نيكولاس مادورو مع البيت الابيض تركزت في موضوع نقل النفط الى الصين عبر ايران بنسبة ٢٠% من النفط العالمي.

لطالما اعتبرت الصين ايران حجر زاوية في مشاريعها الاقتصادية والعسكرية لكن مع تجنب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة الاميركية التي تقود بالمقابل حملة "تدجين" او "احتواء" لتأثير المارد الصيني في المنطقة والعالم ولا سيما على ايران ومن هنا يمكن فهم اهمية ايران المحورية في سياسة الرئيس دونالد ترامب الحالية تجاه ايران وهذا ما يؤكد الى حد كبير احتمالية الخيار العسكري بنسبة كبيرة في حال عجز ترامب عن الحصول بالديبلوماسية على ما يريده من نظام الملالي قطعاً للطريق امام اي تأثير او دعم صيني يقوي الاخير اكثر.

التجارب تؤكد ان اي اتفاقات بين واشنطن وطهران لا تعيش نظراً لتناقضات جوهرية في المنطلقات والاهداف التفاوضية بين الطرفين ولذا يبقى امام الايراني العودة الى تكتيكات تقطيع الوقت بالتفاوض على طريقة الصبر في حياكة السجاد فيما واشنطن تستغل الوقت التفاوضي لمزيد من تدعيم وتعزيز ترسانتها العسكرية الضاغطة والمحاصرة لايران ونظام الملالي.

في كتابه الاخير كشف  محمد جواد ظريف عن العداء التاريخي بين الفرس والروس وأثناء المفاوضات مع الاميركيين عام ٢٠١٥ والدور السلبي لروسيا ما يؤشر الى النوايا الحقيقية بين البلدين وقد كانت اخر تجليات هذا التوجه السلبي تواطؤ موسكو مع الاميركيين والاسرائيليين في سوريا لضرب وتقليص النفوذ الايراني على نظام بشار الاسد قبل اقتلاعه من الحكم وتساهل موسكو عند اقتلاعه واكتفائها باستضافته لديها.

ترسانة الصين العسكرية ليست لصالح توجهاتها الحيادية في المنطقة واذاء الازمة الايرانية فاي صاروخ صيني يستخدم من ايران لضرب اهداف اميركية في المنطقة سيعتبر تورطاً صينياً مباشراً في الحرب الامر الذي ليست بكين مستعدة لتحمله سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وما الجسر الجوي الصيني مع طهران لا لنقل ما يساهم بصمود ايران في وجه الضربات الاميركية من نوع مواد دفاعية كالرادارات وأجهزة التشويش وذخيرة للسلاح الدفاعي اما سلاح وصواريخ كاسرة للردع الاميركي فلا استعداد لا لدى بكين ولا لدى موسكو للتورط في تزويد النظام الايراني به.

اذا الحسابات الاستراتيجية والجيو سياسية في المنطقة على طاولة التخطيط والقرار في البيت الابيض والضربة للنظام الايراني ليست مسألة عسكرية بقدر ما هي مسألة مصيرية لللاعبين الاقليميين والدوليين على الساحة والتفاوض الحاصل بين الاميركيين والايرانيين ليست مسألة ديبلوماسية بقدر ما هي المحطة العسكرية التحضيرية لما قبل المواجهة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: