لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في آخر تصريحاته، بـ"أسبوع صعب" ينتظر إيران والمنطقة.
ويعني هذا الكلام أن الخيارات أمام واشنطن باتت محسومة، وأن منحى التعامل الأميركي مع الملف الإيراني يسير في خط تصاعدي تدريجي.
والواضح حتى الآن أن الهدف الأميركي يتمثل في ممارسة ضغط تدريجي يؤدي، عسكرياً، إلى شلّ القدرات البحرية واللوجستية الإيرانية، وإجبار طهران على القبول بشروط تفاوضية جديدة.
كما تشير العمليات العسكرية الجارية إلى السعي لتشكيل حزام ناري يمنع إيران من التحكم بمضيق هرمز، بالتوازي مع استهداف البنى التحتية وقطاع الطاقة، ومع تصاعد الخطاب المتشدد داخل إيران وإضعاف مواقع القوى المعتدلة، التي ينتمي إليها الوفد الإيراني المفاوض.
أما سبب التشدد الإيراني المتجدد، بعد فترة من التفاوض والمرونة، فيعود إلى تداعيات جنازة المرشد السابق، التي شهدت مواقف كشفت نيات الفريق المتشدد الرافض لأي عملية تفاوض، والمطالب بالثأر لاغتيال المرشد. وقد منح ذلك المتشددين زخماً سياسياً كبيراً، ما وضع المفاوض الإيراني في موقف حرج، كما انعكس إحراجاً على الجانب الأميركي، وعلى رأسه نائب الرئيس جي دي فانس.
وتسببت الجنازة، بحسب المعطيات، بخسائر مباشرة تجاوزت مليار دولار، إضافة إلى خسائر غير مباشرة نتيجة تعطيل الحياة الاقتصادية لمدة تراوحت بين خمسة وسبعة أيام، في مقابل وعود مالية سابقة لإيران بقيمة تقارب 12 مليار دولار لم يُفرج عنها.
أما مخاطر التصعيد، فتبقى مفتوحة على مختلف الاحتمالات، من استهداف مواقع الصواريخ الإيرانية إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية الأميركية، وصولاً إلى تداول نظري لخيار استخدام أسلحة نووية تكتيكية.
وباتت الاستراتيجية الأميركية واضحة، وتقوم على توجيه ضربات استراتيجية ولوجستية تهدف إلى تقويض قدرة إيران على استهداف السفن، فيما يتمثل الهدف السياسي النهائي في دفعها إلى تسوية تفاوضية وفق الشروط الأميركية.
وبذلك، أصبح الميدان ساحة للتفاوض بالنار، من خلال تشكيل حزام يمنع إيران من إغلاق مضيق هرمز، مع تركيز العمليات على البنى العسكرية واللوجستية وتجنب أي احتلال واسع.
وأفقدت هذه الضربات إيران جزءاً كبيراً من قدراتها البحرية، وأضعفت الميليشيات المتحالفة معها، كما قيّدت قدرتها على استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط استراتيجية، فلم يبقَ لديها سوى هذه الورقة تقريباً.
وأصبح مضيق هرمز قضية استراتيجية عالمية، تتقاطع حولها مصالح القوى الإقليمية والدولية الكبرى، بعدما حوّلته إيران من ميزة استراتيجية إلى معضلة سياسية واقتصادية.
كما أن فتح المضيق أو السيطرة عليه ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة والممرات التجارية العالمية، فيما أدى البحث عن بدائل وظهور ترتيبات جديدة إلى إضعاف الموقف التفاوضي الإيراني بشأن المضيق، ما يجعل هذه الورقة أقل فعالية مما كانت عليه سابقاً.
وفي المقابل، باتت العودة إلى طاولة المفاوضات أكثر كلفة بالنسبة إلى إيران، بعدما رفعت مواقفها الداخلية سقف المطالب، ما جعل أي تراجع أكثر صعوبة.
وتشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة نفذت عمليات استطلاع هجومية، ونشرت منظومات تجسس وقوات خاصة في مناطق حساسة، من بينها مواقع مرتبطة ببرنامج تخصيب اليورانيوم، فيما يستمر النقاش داخل الولايات المتحدة وإيران حول خيارات التصعيد، بما فيها استهداف مواقع الصواريخ الإيرانية، وحتى طرح خيار استخدام أسلحة نووية تكتيكية على المستوى النظري.
وتعمل واشنطن، في موازاة ذلك، على سحب ورقة مضيق هرمز من يد إيران، ما قد يضعها أمام خيارين: مراجعة سلوكها أو الذهاب نحو مزيد من التصعيد.
ويبقى الأكثر تضرراً على المدى القصير دول المنطقة والمشروعات التنموية المرتبطة بالممرات البحرية والطاقة، فيما يطال الأثر الاستراتيجي الأكبر إيران نفسها، نتيجة تراجع أوراقها التفاوضية وتآكل قيمة ورقة مضيق هرمز.
لذلك، ترجّح السيناريوهات المقبلة استمرار حملة الضغط الأميركية عبر ضربات لوجستية واستهداف للبنى التحتية، مقابل تصعيد إيراني محدود في البحر أو عبر وكلائها الإقليميين، مع احتمال تحوّل مضيق هرمز إلى قضية دولية تستدعي انخراط أوروبا والقوى الكبرى في البحث عن آليات تضمن حرية الملاحة، خلافاً للرؤية الإيرانية التي تعتبر نفسها صاحبة اليد العليا في المضيق.