لوحظ في الآونة الأخيرة تراجع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دعم تحرك الأكراد ضد النظام في إيران، ما أثار أكثر من علامة استفهام حول نوايا واشنطن تجاه النظام الإيراني، وزرع شكوكًا لدى بعض المراقبين بوجود "قطبة مخفية" بين واشنطن وطهران.
الحقيقة أن التراجع جاء نتيجة حسابات سياسية بحتة، ولا يمكن إعطاء أي بعد آخر لهذه الخطوة.
أولاً: الرئيس ترامب، وفي اليوم التالي لاندلاع الهجمات على النظام الإيراني، تواصل مع رئيس إقليم كردستان مسعود البرازاني لاستطلاع رأيه حول إمكانية مشاركة "البرشمكة" الكردية في العمليات، وأبدى البارزاني استعداده للمشاركة.
ثانيًا: المعارضة الإيرانية في الداخل، ومعها قوات "قسد" في سوريا، أبدت عدم ثقتها بالحليف الأميركي، نظرًا لأن واشنطن خلال التظاهرات الأخيرة للمعارضة لم تتحرك إلا بعد سقوط آلاف القتلى والتنكيل بهم من قبل النظام. وأدى ذلك إلى اشتراط الأكراد السوريين ضمانات أميركية جدية قبل دخولهم المعركة إلى جانب القوات الأميركية.
ثالثًا: في شمال العراق، هناك مسعود ابرازاني وبافيل الطالباني، وهو الرعيم الكردي المقرب من النظام الإيراني، الذي يسعى إلى تحقيق توازن حذر بين الأحزاب الكردية في إقليم كردستان العراق، ويمثل الاتجاه المعاكس لقيادة البارزاني وحزبه الديمقراطي الكردستاني، وقد ضغط الطالباني لعدم تورط الأكراد العراقيين في الحرب ضد النظام الإيراني.
رابعًا: عدم وحدة الأكراد داخل إيران، حيث سجل انقسام بين الأكراد الإيرانيين بين من يريد الاستقلال عن إيران والنظام، ومن لا يريد الانفصال عن الجمهورية الإسلامية، فضلًا عن مجموعات كردية أخرى تقع تحت تأثير تركيا، التي طالبتهم بعدم التورط خشية أن يسعى الأكراد بعد إسقاط النظام في إيران إلى المطالبة باستقلال ذاتي يشكل تهديدًا للأمن القومي التركي.
وبالتالي، تشابكت هذه الحسابات والمعادلات الداخلية والجيوسياسية، وأدت إلى الوضع الحالي، لكن ذلك مؤقت، إذ إذا نظرنا إلى الحسابات الأميركية والكردية، فإن الأمور ليست نهائية، بمعنى إمكانية دخول الأكراد إلى ساحة المعركة بعد القضاء على قوات الباسيج الإيرانية داخليًا، ما سيسمح للشعب الإيراني، ومن ضمنه الأكراد في إيران، بالثورة على النظام، وبالتالي انتفاء الحاجة إلى أي تدخل كردي من خارج الحدود.