"الحرب أولًا ولبنان أخيراً".. خطاب قاسم إلى مزبلة التاريخ

naim kassem

لم تكن الكلمة التي ألقاها الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، في مناسبة يوم القدس العالمي مجرّد خطاب سياسي تقليدي، بل بدت أقرب إلى بيان تعبوي يكرّس واقعاً خطيراً: لبنان لم يعد دولة صاحبة قرار مستقل، بل ساحة مفتوحة تُدار بمنطق المحاور الإقليمية، وعلى رأسها إيران. فما ورد في هذا الخطاب لم يكن دفاعاً عن لبنان بقدر ما كان إعلاناً صريحاً بأن مصالح هذا البلد يمكن التضحية بها في سبيل مشروع أكبر يُدار من خارج حدوده.

منذ بداية كلمته، حاول قاسم إضفاء طابع ديني وأيديولوجي على الصراع، مستحضراً روح الله الخميني وربط المناسبة بإعلان يوم القدس العالمي بعد الثورة الإسلامية الإيرانية 1979. غير أن ما تجاهله الخطاب هو أن لبنان ليس إيران، وأن اللبنانيين لم يفوضوا أحداً لتحويل بلدهم إلى منصة دائمة لخدمة مشروع الثورة الإيرانية. وبينما يُسوَّق هذا الارتباط على أنه "موقف مبدئي"، يراه كثير من اللبنانيين ارتهاناً سياسياً وعسكرياً يضع مصالح لبنان في آخر سلّم الأولويات.

الأخطر في كلام قاسم إصراره على تصوير الحرب وكأنها قدر محتوم لا مفر منه. فهو يتحدث عن "معركة وجودية" ويؤكد أن "المقاومة" لن تتراجع مهما كانت التضحيات. لكن السؤال البديهي الذي يطرحه اللبنانيون هو: من أعطى الحزب حق اتخاذ هذا القرار باسمهم؟ ومن قرر أن مستقبل بلد كامل يجب أن يُربط بمغامرات عسكرية مفتوحة بلا نهاية؟

في الواقع، لم يكن الخطاب موجّهاً لحماية لبنان بقدر ما كان محاولة جديدة لتبرير استمرار السلاح خارج إطار الدولة. فكلما ارتفعت الأصوات المطالبة باستعادة القرار الوطني، يعود الحزب إلى المعادلة نفسها: إمّا السلاح وإمّا "الزوال". وهذه ليست معادلة دفاعية بقدر ما هي ابتزاز سياسي واضح يفرض على اللبنانيين خياراً قسرياً: القبول بسلطة السلاح أو التعرّض للتخوين والاتهام.

وإذا كان قاسم يتحدث بثقة عن "قوة المقاومة"، فإن الواقع اللبناني يروي قصة مختلفة تمامًا. قرى حدودية مدمرة، عشرات آلاف العائلات المهجرة من بيوتها، واقتصاد ينهار بوتيرة متسارعة. ومع ذلك، يتعامل الخطاب مع هذه الكارثة وكأنها مجرد "تضحيات ضرورية". وهكذا يتحول الألم الحقيقي للناس إلى مادة دعائية في خطاب سياسي لا يرى في البشر سوى وقود لحرب طويلة.

المفارقة الصارخة أن قاسم يهاجم الدولة اللبنانية ويتهمها بالفشل، في حين أن أحد أبرز أسباب هذا الفشل هو وجود تنظيم مسلح يمتلك قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات الشرعية. فكيف يمكن لدولة أن تمارس سيادتها بينما يوجد فيها من يعلن الحرب متى يشاء؟ وكيف يمكن لحكومة أن تدير علاقاتها الدولية بينما بلدها جزء من محور عسكري تقوده طهران؟

وفي لحظة صريحة من الخطاب، لم يتردد قاسم في الإشادة بقيادة خامنئي وتقديم إيران باعتبارها قلب ما يسمى "محور المقاومة". هذا الكلام وحده يكشف طبيعة المشروع الذي يُفرض على لبنان. فعندما يصبح الولاء السياسي والعقائدي لقيادة خارج الحدود، يصبح الحديث عن سيادة وطنية فعلية أمرًا شديد الصعوبة.

لكن ما يثير الغضب أكثر من أي شيء آخر هو محاولة تصوير النزوح والدمار كأنهما إنجاز معنوي. فالعائلات التي فقدت بيوتها وأرزاقها لا تحتاج إلى خطابات تعبئة، بل إلى دولة تحميها وتمنع تحويلها إلى ضحية دائمة لصراعات الآخرين. تحويل معاناة الناس إلى شعارات عن "الصمود" ليس سوى استخفاف صارخ بكرامة اللبنانيين.

حتى الهجوم على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يغيّر شيئًا من الصورة. فانتقاد سياسات إسرائيل لا يبرر تحويل لبنان إلى ساحة حرب دائمة. المشكلة لا تكمن فقط في العدو الخارجي، بل أيضًا في عقلية داخلية ترى أن مستقبل البلد يمكن أن يبقى معلّقًا إلى أجل غير مسمى على منطق المواجهة المستمرة.

الحقيقة التي يتجاهلها هذا الخطاب هي أن لبنان يدفع ثمنًا باهظًا لسياسات لا تخدم مصلحته الوطنية. ففي وقت تتجه فيه دول المنطقة نحو الاستقرار وإعادة البناء، يظل لبنان غارقًا في دوامة الصراعات، لأن قرار الحرب فيه لم يعد بيد الدولة.

كلمة قاسم تكشف أزمة أعمق بكثير من مجرد خطاب سياسي. إنها تعكس مشروعًا كاملًا يقوم على إبقاء لبنان في حالة تعبئة دائمة، وربطه عضوياً بمحور إقليمي لا يرى فيه سوى جبهة متقدمة. وبينما يتحدث الحزب عن الكرامة والتحرير، يجد اللبنانيون أنفسهم أمام واقع مختلف: بلد منهك، دولة ضعيفة، ومستقبل يُصادر باسم شعارات لا تشبع جائعًا ولا تبني وطنًا.

لبنان لا يحتاج خطابات جديدة عن الحرب، بل يحتاج قرارًا وطنيًا يعيد الدولة إلى موقعها الطبيعي. أما الاستمرار في هذا النهج، فلن يعني سوى شيء واحد: بقاء البلد رهينة مشروع لا يخدم إلا مصالح من يقف خلفه.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: