"يعني الحيطان فهمت وجماعة حزب الله ما فهموا"، الخطاب التصعيدي الذي نسمعه من البعض من بيئة "الحزب" لم يعد مقبولاً، خصوصاً في ظل التوترات الأخيرة. الاستمرار في التحريض ودفع البلاد نحو حافة الانقسام لا يخدم الاستقرار، ولا يعكس مصلحة غالبية اللبنانيين.
لم يعد مقبولاً استخدام لغة تؤدي إلى توتير الشارع أو إعادة إنتاج مناخات الانقسام، المطلوب اليوم خطاب أكثر مسؤولية يراعي حساسية المرحلة. لبنان ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا يمكن لأي جهة أن تقرر مساره بمفردها. المطلوب مقاربة تضع الاستقرار الداخلي أولوية، بعيداً من التصعيد والانقسامات.
"خلصنا دلع وتساهل واحتضان". بالنسبة للبعض، لا يزال هناك إصرار على اعتبار أنّ حزب الله خاض حرباً ضد إسرائيل لا ضد اللبنانيين. لكن الوقائع اليومية، وما تحمله من توترات واستفزازات مستمرة، تطرح تساؤلات جدية حول هذه الرواية، وتُظهر أن التداعيات الأثقل وقعت على الداخل اللبناني، قبل أي جهة أخرى.
ألم يكتفِ حزب الله بما أدّى إليه من تهجير أهالي الجنوب من بيوتهم، وتركهم حياتهم وعائلاتهم وممتلكاتهم، ونزوحهم إلى بيروت هرباً بأرواحهم مرّة جديدة؟ وهل يُعقل، بعد كل هذا الألم، أن يُدفعوا مجدداً إلى واجهة توتر داخلي، وأن يُستخدموا وقوداً لخطاب تصعيدي يهدّد السلم الأهلي ويضعهم في مواجهة مع أبناء وطنهم؟
ما يُتداول من دعوات إلى العنف، ومن توصيفات مُهينة بحق اللبنانيين وخصوصاً المسيحيّين وحزب القوات اللبنانية، ليس مجرّد انفعال عابر. هو انزلاق خطير نحو منطق الإلغاء، وكأنّ مناصري حزب الله لم يتعلّموا شيئاً من الحرب الأهلية.
أن يُقال عن المسيحيين إنهم "أعدى من إسرائيل"، أو أن يتمّ التشكيك بعقيدتهم وانتمائهم، فهذا ليس رأياً سياسياً، بل خطاب كراهية صريح يهدّد وحدة المجتمع. والمضحك هو الدعوات للنزول إلى الشارع وفرض وقائع بالقوة، وصولاً إلى الحديث عن احتلال القصر الجمهوري في بعبدا، "هيك معلمينكن بإيران؟".
ولكن نهفات مناصري حزب الله لم تنتهِ هنا، فيتجرأ أشخاص مثل فادي بودية على اتهام الطلاب اللبنانيين في الجامعات الأميركية ببيروت بأنهم أدوات لمصالح أجنبية، بينما وزير الصحة ركان ناصر الدين، الداعم لحزب الله والمقاطع لجلسة الحكومة الأخيرة "كرمال سواد عيون السفير الإيراني"، هو نفسه خريج الجامعة الأميركية!
بهذا الحال، لا أعتقد أن كل خريج من هناك أصبح تلقائياً عميلاً. يبدو أنّ المعايير تُطبق انتقائياً فقط لتبرير سياسات حزب الله، وتحميل الآخرين كل المسؤولية، بينما يبقى الداعمون الحقيقيون خارج دائرة النقد.
إنّ الإصرار الغاشم على الاحتفاظ بسلاح خارج إطار الدولة، رغم كل الانهيارات التي يعيشها البلد، لم يعد يُقدَّم كخيار "مقاومة"، بل كأمر واقع مفروض بالقوة. وفي المقابل، يتم تصوير أي دعوة لحصرية السلاح وكأنها "استفزاز" أو "عنترية"، وليس كحق أو منطق.
إسرائيل لن تكون أبداً بريئة من دمائنا، ولكن أثبتم أن سلاحكم عاجز عن حماية لبنان بسبب الفجوة التكنولوجية والمعرفية الهائلة بينكم وبين الغرب. لقد تحوّل تركيز حزب الله من ما يُسمّى بـ"تحرير القدس" إلى تأمين الحليب والأكل في المدارس.
ولكل من يتساءل عما إذا كان الجيش اللبناني قادراً على الدفاع، فالمنطق لا يسمح بذلك حالياً، بل باختيار الحل الديبلوماسي.
المسيحيون، كما الشيعة، كما السنّة، وكل مكوّنات هذا البلد، ليسوا أعداء لبعضهم البعض. وأي خطاب يدفع باتجاه تحويلهم إلى خصوم، هو خدمة مجانية لكل من يريد تدمير لبنان.
لبنان، مثل أي بلد، لا يُحكم بالتحريض، ولا يُدار بمنطق الغلبة. حزب الله طموح و"مهضوم"، ولكن ومن يعتقد أنّ بإمكانه فرض خياراته بالقوة، عليه أن يتذكّر أنّ هذا الطريق جرّبناه سابقاً… وكانت كلفته وطناً بأكمله.