نادراً ما يتحول موقع ديبلوماسي إلى مأزق قانوني مفتوح داخل دولة مضيفة، إلا أن ما يجري اليوم يضع لبنان أمام اختبار مباشر لقدرته على تثبيت قراره السيادي وترجمته عملياً.
في هذا السياق، أبلغت الدولة اللبنانية السفير الإيراني الجديد محمد رضا شيباني بأنه شخص غير مرغوب فيه، رغم أنه لم يقدم أوراق اعتماده، ومع ذلك باشر ممارسة مهامه من دون صفة رسمية، ومع انقضاء المهلة المحددة لمغادرته في 29 آذار الماضي، بقي داخل لبنان الذي يجعله عملياً مواطناً إيرانياً مقيماً بصورة غير شرعية ومن دون أي غطاء ديبلوماسي.
وتشير أوساط مطلعة إلى أن وضعه بات شبيهاً بحالات أخرى مرتبطة بعناصر من الحرس الثوري الموجودين في لبنان خارج الأطر القانونية، مع فارق أساسي يتمثل في أن وجوده داخل مبنى السفارة يقيده بإطار لا تستطيع الأجهزة الأمنية مقاربته، بينما خروجه إلى العلن يفتح الباب أمام توقيفه وترحيله وفق الأصول.
من زاوية قانونية وسياسية، يوضح الكاتب والمحلل السياسي علي حمادة عبر LebTalks أن السفير الإيراني، في ظل هذه المعطيات، يُعامل كمواطن أجنبي مقيم بشكل غير شرعي، بلا حصانة أو حماية ديبلوماسية، إذ تنتهي أي مظلة عند حدود السفارة، وأي تحرك خارجها يضعه تلقائياً تحت سلطة القانون اللبناني، بما يفرض على القوى الأمنية اتخاذ الإجراءات اللازمة بحقه.
يضيف حمادة أن المعطيات ترجح بقاءه داخل السفارة، حيث يصبح خروجه مخاطرة غير محسوبة، وفي حال غادر إلى إيران فلن يكون بمقدوره العودة، لافتاً إلى ظهوره قبل نحو أسبوعين على رأس حفل تأبيني نظمته السفارة لتخليد رموزها، في مؤشر إلى استمرار حضوره ضمن هذا الإطار المغلق.
وفي توصيف أكثر حدة، يعتبر حمادة أن ما يجري يعكس واقع "سفير مفروض بالقوة"، يستند في بقائه إلى دعم من حزب الله وحركة أمل، في تجاوز واضح لقرار الحكومة، ما يضع الدولة أمام معادلة دقيقة، لا إمكانية لاقتحام السفارة أو فرض خروجه منها بالقوة، لأن ذلك يفتح الباب أمام تصعيد لا يمكن احتواؤه، ولا قدرة في المقابل على تنفيذ القرار خارج هذا الإطار المحكوم بالقوانين الدولية.
وسط هذا التعقيد، يتقدم ملف التفاوض اللبناني - الإسرائيلي وفق حمادة كأولوية ضاغطة ترسم إيقاع المرحلة، فالحرب في الجنوب مستمرة بوتيرة مدروسة، فيما يجري تحييد العاصمة بيروت ضمن ضوابط وضعتها واشنطن على تل أبيب، منعاً لانزلاق المواجهة إلى توسع شامل قد يطيح مسار التفاوض من أساسه.
ضمن هذه المعادلة، يظهر أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يميل إلى توسيع العمليات واستكمال ما بدأه، غير أن هذا التوجه يصطدم حالياً بسقف التجميد السياسي المفروض، حيث لا وقف فعلياً لإطلاق النار بقدر ما هو تنظيم لإيقاع الضربات، التي تتركز في القرى الحدودية ومحيط النبطية، مع ما يرافق ذلك من تهجير وتدمير ممنهج.
ويخلص حمادة إلى أن هذا الواقع يعكس هامش الحركة المتاح في المرحلة الراهنة، في ظل ضوء أخضر أميركي مضبوط الإيقاع، يبقي باب الاحتمالات مفتوحاً على مسارات متعددة، إذ إن فشل المفاوضات قد يعيد خلط الأوراق ويدفع نحو خطة أطول مدى، تتراجع معها الهدنة لصالح استكمال إسرائيل أهدافها الميدانية.
