عاد ملف الأموال المنهوبة واحتل المشهد اللبناني في الفترة الأخيرة، فبعدما ضاع ملف أموال المودعين في "جوارير" الدولة لسنوات كثيرة، اليوم أقرت الحكومة اللبنانية قانون الفجوة المالية في جلستين وزاريتين فقط.
وبعد طول انتظار يجب ان يكون هذا القانون منصف للمودعين الذين وثقوا بالمصارف والدولة، كما ويُفترض أن يجيب عن سؤال جوهري: مَن يتحمّل خسائر الانهيار المالي الأكبر في تاريخ لبنان؟
إذا أردنا أن نشرّح مضمون قانون الفجوة المالية، هذا القانون الذي انتظره الكثيرون من اللبنانيين ولاقى الكثير من الانتقاض والرفض والمقاطعة، تغلب عليه سيئاته، ويقول الخبير الاقتصادي جاسم عجاقة في هذا الإطار في حديث لـLebTalks قانون الفجوة المالية هو شرط من شروط صندوق النقد الدولي وممر الزامي لحل الازمة الاقتصادية والنقد والمالية العامة والودائع أيضاً. إذاً هذا قانون أساسي جداً ومهم، لكن المشكلة انه وبصيغته الحالية ليس الأفضل للبنان.
كما وعرض عجاقة أبرز مشاكل هذا القانون التي تحول دون اكتماله:
فالمشكلة الأولى فيه: بأن "85% من المودعين سيحصلون على أموالهم" بحسب القانون، لكن بحسب عجاقة هذا الرقم ليس رقماً دقيقاً بل هو عدد الحسابات المالية في المصارف وليس عدد المودعين. ويمكن أن يكون للفرد الواحد أكثر من حساب مالي وإذا كان مجموعهم أكثر من مئة ألف دولار فأصبح من كبار المودعين وفي هذه الحالة ترحل أموالهم الى صندوق استثماري مدعوم من مصرف لبنان ولكن القيمة الفعلية لهذا الصندوق لن تتجاوز الـ20% من القيمة الاسمية لهذا الصندوق.
المشكلة الثانية: هذا القانون يضرب الثقة بالاقتصاد وبالقوانين اللبنانية من باب فرض قوانين رجعية.
المشكلة الثالثة: هذا القانون يخالف مبدأ أساس بالدستور اللبناني وهو "أهمية الملكية الفردية" كما ومقدمة الدستور أيضاً.
المشكلة الرابعة: هذا القانون يقتطع قسماً كبيراً من أموال اللبنانيين وسيكون له تداعيات كثيرة على المستوى الاجتماعي كالفقر وتراجع المستوى المعيشي عند اللبنانيين وغيرهما.
المشكلة الخامسة: هذا القانون سيشكل ضرراً على الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم لأنها تمتلك ودائع بأكثر من مئة ألف دولار ما يمكن أن تتجمد لأكثر من 15-20 سنة بفعل قانون الفجوة المالية.
المشكلة السادسة: هذا القانون لم يعالج مشكلة المودعين اللذين حولوا أموالهم من الليرة اللبنانية الى الدولار الأميركي بل عاقب من إلتزم مبدأ التحوّط، بالإضافة الى أنه لم يعالج مشكلة المودعين بالليرة الذين وثقوا بالليرة اللبنانية.
يقول عجاقة: الدولة هي التي صرفت الأموال واليوم لا تحمل أعباءً مالية بل العكس اعتبرت ان النقص بالأموال هي خسارة من القطاع المصرفي، ونسيت الأموال التي وصلتها لدعم المشاريع والكهرباء وغيرها. كما وأن الدولة لم تعالج مشكلة دينها العام بالدولار وبالليرة اللبنانية.
وختم قائلاً: على الرغم من أهمية إقرار هذا القانون كشرط أساسي للحصول على مساعدات خارجية، فإن صيغته الحالية تحمل مخاطر جدية على الثقة بالاقتصاد الحر وبالقطاع المصرفي في لبنان. إذ من شأنها أن تدفع شريحة واسعة من المودعين اللبنانيين إلى تحويل أموالهم نحو مصارف خارجية، ولا سيما في دول قريبة مثل قبرص ولما لا لاحقًا في سوريا، هربًا من حالة عدم اليقين. كما يُخشى أن يؤدي هذا الواقع إلى تعميق التحول نحو اقتصاد نقدي Cash Economy، في ظل اهتزاز أو حتى انعدام الثقة بالنظام المصرفي، ما ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي ككل. وفي موازاة ذلك، سيبقى الاستهلاك الداخلي محدوداً، ومرتبطاً بشكل أساسي بتحويلات المغتربين، فيما يتزايد التردد والخوف من الاستثمار الخارجي في لبنان، بما يفاقم حالة الجمود الاقتصادي.
وفي الاطار عينه، تقول أوساط لجنة المال والموازنة لـLebTalks حول موقفها من قانون الفجوة المالية "من حيث المبدأ، فإن هذا القانون منتظر منذ سنوات، وهو مطلب لجنة المال والموازنة منذ بداية الأزمة. وللتذكير فمسألة استرداد الودائع طرحت للمرة الاولى في لجنة المال في حزيران 2022، في جلسة حضرها رئيس الحكومة في حينه نجيب ميقاتي الذي تعهد العمل على المشروع. وهكذا فعلت الحكومة الحالية. فنحن امام ازمة نظامية والمسؤوليات توزّع بين الدولة اللبنانية، المصارف ومصرف لبنان. وآخر من يتحمّل المسؤولية هو المودع".
وعند سؤالنا عن المهلة الزمنية المعطاة لمناقشة المشروع داخل لجنة المال والموازنة أفادت أوساط اللجنة بأن "وبحسب الدستور اللجنة تبحث بالموازنة وفي هذه الفترة لا يمكن البحث بأي شيئ آخر، فنحن ننتظر نهاية الشهر الحالي لاقرار الموازنة في الهيئة العامة، وبعدها تدرس مشاريع القوانين الأخرى ومنها قانون الفجوة المالية".
أضافت: "هناك عدد من النواب طرحوا الاشكالية الدستورية في اقرار المشروع وإحالته من قبل الحكومة. اذ إن المادة 65 من الدستور بحسب رأيهم تتطلب الثلثين، الأمر الذي لم يحصل، وسيطرح بطبيعة الحال من قبل النواب في الجلسة الأولى للجنة المال عند بحث المشروع".
كما وأكّدت أوساط لجنة المال والموازنة أنه "يجب الانتهاء من تقاذف المسؤوليات بين الحكومة ومجلس النواب في هكذا ملف أساسي. كما ويجب البحث جدياً في الخطوات الآيلة للحل وعلى الا يكون مشروع القانون المحال هو عناوين عريضة غير قابلة للتطبيق".
بعد سنوات قانون الفجوة المالية يبصر النور لكنه يقع بين الرفض والشوائب، فيما يبقى المودعون عالقين بين أموال منهوبة وثقة معدومة. فهل يشكّل هذا القانون خطوة نحو العدالة المالية واستعادة الثقة، بعيداً من تقاطع المصالح وضياع الحقوق؟