"الفيزا الذهبية" في لبنان... ماذا يقدّم المشروع فعلياً؟

524160351902

أثار طرح مشروع قانون "الفيزا الذهبية" اهتماماً واسعاً، خصوصاً أنه يأتي في مرحلة يبحث فيها لبنان عن أدوات جديدة لاستقطاب الاستثمارات وتحريك الدورة الاقتصادية وتعزيز إيرادات الدولة.

ويُطرح المشروع باعتباره خطوة لجذب أصحاب رؤوس الأموال إلى لبنان، إلا أن النقاش حوله فتح الباب أمام سؤال أساسي: هل نحن فعلاً أمام "فيزا ذهبية" بالمفهوم المعتمد عالمياً، أم أمام صيغة أقرب إلى الإقامة الاستثمارية أو الضريبية؟

في مفهومها التقليدي، تقوم برامج "الفيزا الذهبية" على منح المستثمر حق الإقامة مقابل استثمار محدد في الدولة المضيفة، سواء من خلال شراء عقار أو الاستثمار في مشروع اقتصادي أو صناديق استثمارية.

وقد اعتمدت دول أوروبية عدة هذا النموذج، قبل أن تُدخل تعديلات على برامجها أو توقف بعضها، فيما اتجهت دول أخرى إلى رفع قيمة الاستثمارات المطلوبة أو توجيهها نحو الشركات الناشئة والمشاريع القادرة على خلق فرص عمل.

أما في بعض دول الكاريبي، فتذهب البرامج أبعد من ذلك، من خلال منح الجنسية مباشرة مقابل الاستثمار، وفق شروط وآليات تحددها كل دولة.

ماذا عن لبنان؟

بحسب خبراء، فإن النموذج اللبناني يحتاج إلى مزيد من التوضيح لتحديد طبيعته بشكل دقيق. فالإقامة في لبنان لا تمنح حاملها امتيازات مرتبطة بحرية التنقل إلى أوروبا، كما أنها لا ترتبط حكماً بالحصول على الجنسية اللبنانية.

ومن هنا، يرى هؤلاء أن المشروع قد يكون أقرب إلى نموذج الإقامة الاستثمارية أو الضريبية، وهو نظام تعتمده دول عدة لاستقطاب أصحاب الثروات والمستثمرين، من خلال منحهم إقامة وفق شروط مالية واستثمارية محددة.

وقد يملك لبنان بعض عناصر الجذب في هذا المجال، ولا سيما في ظل معدلات الضرائب المحلية التي تبقى منخفضة نسبياً مقارنة بعدد من الدول الأوروبية. فالضريبة على أرباح الشركات تبلغ 17%، فيما تبلغ الضريبة على الأموال المنقولة وتوزيعات الأرباح 10%.

وبالتالي، قد يشكل لبنان وجهة لبعض المستثمرين الذين يملكون استثمارات خارجية في الأسواق المالية أو العقارات أو الصناديق الاستثمارية، إذا جرى وضع إطار ضريبي واضح ومنظم يحدد حقوق المستثمر والتزاماته تجاه الدولة.

وقد نجحت نماذج مشابهة في استقطاب أصحاب الثروات إلى دول مثل الإمارات وإيطاليا واليونان، خصوصاً مع ارتفاع الأعباء الضريبية في عدد من الدول الأوروبية.

إلا أن تقييم المشروع اللبناني بشكل نهائي يبقى مرتبطاً بنشر النص الكامل للقانون وتوضيح أهدافه وآليات تطبيقه، بما يسمح بتحديد الفارق بين "الفيزا الذهبية" والإقامة الاستثمارية أو الضريبية المقترحة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية وضع معايير واضحة للشفافية والتدقيق المالي، خصوصاً في ظل وجود لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي FATF منذ تشرين الأول 2024، وإدراجه من قبل الاتحاد الأوروبي ضمن الدول المرتفعة المخاطر في مجال مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

لذلك، فإن نجاح أي برنامج من هذا النوع يرتبط بقدرته على استقطاب رؤوس أموال شرعية ومنتجة، ضمن آليات رقابية واضحة تمنع إساءة استخدامه أو تحوّله إلى وسيلة للتهرب الضريبي.

وقد يشكل المشروع أداة اقتصادية إضافية للبنان، إلا أن فعاليته ستبقى مرتبطة بتفاصيله وبقدرته على التكامل مع الملفات الاقتصادية والمالية الأخرى، وفي مقدمها استرداد الودائع وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

فالسؤال ليس ما إذا كان لبنان يحتاج إلى استثمارات جديدة، بل كيف يمكنه استقطابها ضمن إطار يحمي الاقتصاد، ويعزز الثقة، ويضمن أن تتحول هذه الاستثمارات إلى قيمة مضافة فعلية للدولة.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: