اللاجئون الفلسطينيون داخل مخيمات في بيروت؟

55

في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، يقف لبنان أمام واقع ثقيل يفرض نفسه بعيداً عن أي شعارات أو حسابات نظرية. لا مؤشرات فعلية على انفراج قريب، ولا قدرة داخلية على ضبط الإيقاع، فيما تتقدّم التطورات الميدانية بسرعة تفوق قدرة القرار السياسي على مواكبتها. وبين الضغط الخارجي والانقسام الداخلي، يبدو البلد مكشوفاً أكثر من أي وقت مضى.

أشار الخبير العسكري طوني أبي سمرا في حديث لـLebTalks إلى أن في العلم العسكري الاستراتيجي، هناك مفهوم يُعرف بـ"نقطة التحوّل"، وهي المرحلة التي تفقد فيها القوة المقاتلة على الأرض قدرتها على الاستمرار، سواء كانت في موقع الهجوم أو الدفاع.

فعندما يصل الطرف المهاجم إلى مرحلة يعجز فيها عن التقدّم، ويصل الطرف المدافع بدوره إلى حدّ عدم القدرة على الصمود، نكون أمام نقطة تحوّل حاسمة. وفي معركة الجنوب، يسعى الإسرائيلي إلى دفع حزب الله نحو هذه النقطة، وهو ما يفسّر استهداف الجسور، وتكثيف العمليات القتالية، والضغط على بيئته الحاضنة وقيادته.

ويتابع: في المقابل، يقوم جوهر الفن العسكري على إيصال العدو إلى نقطة التحوّل قبل أن تصل إليها قواتك. وفي هذا الإطار، دفع الإسرائيلي بعدد كبير من الفرق العسكرية، حيث تشير المعطيات إلى وجود خمس فرق تتمتع بزخم قتالي مرتفع، ما يجعل نقطة تحوّلها أبعد نسبياً.

وفي مرحلة سابقة، كانت هناك تقديرات بإمكانية استهداف تجمعات كبيرة للجيش الإسرائيلي في مواقع جنوبية، على اعتبار أن الحزب قد يصل إلى نقطة التحوّل في موقع الدفاع قبل أن يبلغها الطرف المهاجم.

ويقول أبي سمرا: القصف الإيراني، كان متوقعاً في هذا السياق، إذ يسعى الحزب إلى الحصول على دعم يخفّف من زخم

القوات الاسرائيلية المتقدمة ويمنعها من تحقيق تفوّق حاسم على الأرض.

وتفيد المعطيات بأن الصواريخ الثقيلة التابعة لحزب الله متمركزة في جرود السلسلة الشرقية، مع ترجيحات بإمكانية حصول تدخل سوري في حال فُتح هذا المجال.

كما يُطرح احتمال أن يكون من مصلحة الرئيس السوري أحمد الشرع تقديم خطوة تخدم إسرائيل ضمن سياق تفاوضي، عبر استهداف مخازن صواريخ الحزب في منطقة البقاع.

مع ذلك، تشير التقديرات إلى أن أي تدخل من هذا النوع لن يكون واسع النطاق، في حين لا يُستبعد دور تركي محدود في هذا الإطار، نظراً للعلاقات التي تربط تركيا بحركة حماس، وبشكل غير مباشر مع الحزب.

وعن انخفاض وتيرة القصف، يوضح أبي سمرا أن الإسرائيلي يمتلك قدرة محددة من الطيران يوزّعها على ساحات القتال، حيث يوجّه جهده الأساسي نحو إيران، فيما تبقى المعركة مع حزب الله ضمن الجهد الثانوي.

وبالتالي، فإن القدرات الجوية التي يخصصها في الجنوب تبقى أقل من إمكاناته الفعلية، نتيجة تركيزه الأكبر على جبهة طهران.

أما في ما يتعلّق بإنشاء مراكز إيواء قرب مرفأ بيروت، فيرى أبي سمرا أنّ إعادة وزير المال إصدار مذكرة تتعلّق بالمشاعات ليست خطوة عفوية، بل تأتي ضمن سياق مخطّط يمكن ربطه بقرار استخدام منطقة الكرنتينا.

ويحذّر من أن طرح هذه المراكز كخيار احتياطي قد يكون أخطر من استخدامها الفعلي حالياً، في ظل حالة الإرهاق التي يعيشها البلد، ولا سيما بيروت، جرّاء الأزمات المتراكمة.

كما يلفت إلى احتمال استخدام هذه المراكز لإيواء لاجئين فلسطينيين، ما قد يزيد من حدّة التوتر، خصوصاً أنّ الذاكرة اللبنانية لا تزال مثقلة بتجارب سابقة، من بينها أحداث نهر البارد ومخيم الكرنتينا.

يضيف في حديث لموقعنا: على الجيش اللبناني أن يعزّز انتشاره وحضوره في محيط مراكز الإيواء، تفادياً لاحتمال تشكّل بؤر توتر أو اختراقات أمنية قد تؤدي إلى نزاعات داخلية.

فالإسرائيلي لن ينسحب برّاً في المدى القريب، فيما يُتوقّع أن يستمر بقاء النازحين لفترة طويلة في المدارس والجامعات، ما سينعكس سلباً على الواقع الاجتماعي.

وعن التفاوض تحت النار، يشدد أبي سمرا على أننا وضعنا أنفسنا في قلب النار، ما أدخلنا في موقع بالغ الصعوبة، فيما تجد الدولة نفسها أمام معضلة معقّدة تكاد تكون بلا حلول واضحة. وفي هذا الإطار، يفترض أن يُحصر مسار التفاوض بشخصية وطنية عابرة للطوائف، لا تمثّل أي انقسام داخلي.

كما يُفترض بالأحزاب المسيحية، في حال تشكيل لجنة تفاوضية، أن تجتمع وتوحّد موقفها، بحيث تنقل الشخصية المسيحية المشاركة في الوفد الهواجس المرتبطة بهذه المرحلة وما بعدها، ضمن مقاربة وطنية شاملة.

الوقائع على الأرض لا تترك هامشاً واسعاً للمناورة. لبنان يتجه نحو مرحلة طويلة من الاستنزاف، حيث تتراكم الأزمات الأمنية والاجتماعية من دون أفق واضح للحل. وفي ظل غياب قرار حاسم، يبقى الخطر الأكبر أن يتحوّل هذا الواقع إلى حالة دائمة، يدفع ثمنها اللبنانيون على كل المستويات.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: