في خضمّ الحرب وما خلّفته من نزوح واسع ومعاناة إنسانية قاسية، عاد إلى الواجهة ملف احتكار "حزب الله" لعدد كبير من المؤسسات التي يفترض أن تكون عامة وتمثّل بيئاتها الطائفية، وفي مقدّمها المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. فالمجلس الذي أُنشئ ليكون مرجعية جامعة للطائفة الشيعية، تحوّل، وفق منتقدين كُثر، إلى مؤسسة خاضعة بالكامل لهيمنة الحزب.
تصريحات نائب رئيس المجلس الشيخ علي الخطيب فجّرت موجة غضب واسعة، خصوصاً داخل البيئة الشيعية نفسها. فالكلام الذي صدر عنه بدا، بالنسبة لكثيرين، منفصلاً تماماً عن واقع الناس ومعاناتهم في ظل الحرب، في وقت لم يُسجَّل للمجلس أي دور فعلي أو مبادرة ملموسة لمساندة أبناء الطائفة الذين يدفعون أثمان المواجهة، سواء على المستوى الإنساني أو الاجتماعي.
في هذا السياق، قال الناشط الدكتور هادي مراد في حديث لموقع لـLebTalks إن "قبل هذا المجلس، كانت تقام انتخابات يُمثَّل فيها الشيعة المعتدلون، مثل حركة أمل و"حزب الله". إلا أن المجلس، ومنذ أن استولى عليه "حزب الله" بين عامي 2016 و2017، ولا سيما بعد وفاة الشيخ عبد الأمير قبلان، تحوّل إلى مجلس تابع للحزب لا إلى مجلس يمثّل الطائفة الشيعية.
ومنذ ذلك الحين، بات المجلس يُهمِل شؤون الطائفة الشيعية، خصوصاً أّ أبناء الطائفة يدفعون سهم الإمام وسهم الخُمس إلى هذا المجلس، ما يعني أنّه يستفيد من مقدّرات الطائفة الشيعية، ولا سيما من المتموّلين فيها. كذلك فإنّ المجلس تابع للدولة، وبالتالي فإنّ الدولة تموّل هذا المجلس أيضاً، سواء عبر إيجارات المباني أو من خلال أشكال دعم أخرى".
وشدد مراد على أن "المجلس يحتكر هذا الواقع لصالح طرف معيّن، أي "حزب الله". ولا يزال الشيخ علي الخطيب في موقعه لأنّه يستند إلى سلطة الأمر الواقع، إذ إنّ "حزب الله" يستولي على معظم مفاصل السلطة في لبنان، ولا سيما على المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الذي يُفترض أن يكون دار الطائفة.
ومن مصلحة الحزب ألّا يكون هذا المجلس معبّراً عن جميع الشيعة، بل أن يبقى محتكَراً باسمه فقط، لكي يتمكّن المجلس من لعب أدوار أخرى غير دوره الطبيعي، فيتحكّم بقراراته ومواقفه ويتلطّى خلف اسمه".
أضاف: "لهذا السبب يبقى الخطيب في منصبه بالقوة. غير أن معظم أبناء الطائفة الشيعية أدركوا حجم اللاعدالة، وقد عبّروا عن اعتراضهم ورفعوا الصوت في وجه تصريحات الخطيب".
وتابع مراد: "يضمّ المجلس جمعيةً عمومية تتألف من أكثر من ستين ألف عضو، والانتخابات هي الحل الوحيد للتغيير. فالمحامون والصحافيون والأطباء والمهندسون الشيعة وغيرهم يحقّ لهم انتخاب نائب رئيس للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.
وبالتالي، ينبغي الدعوة إلى جمعية عمومية لانتخاب نائب رئيس، لأنّ ولاية الخطيب غير قانونية وقد انتهت عام 2021".
وتوجّه مراد إلى الخطيب بالقول: "ارحم هذه الطائفة الشيعية، واحفظ تاريخك، واستند إلى ما قاله الإمام الصدر، فأنت بعيد كل البعد عن تلك الشخصيات الشيعية الوطنية العربية التي حمت الطائفة الشيعية في مختلف حروب لبنان، ولا تمتّ إليها بصلة".
وكشف مراد عن أن "هناك كثيراً من الوثائق التي تثبت فساد الخطيب طوال سنوات ولايته، وقد رفع بعضهم دعاوى مدعومة بهذه الوثائق حول كيفية مساهمة المجلس في الفساد، إلا أنّ هذه الدعاوى وُضعت في الأدراج ولم يُبتّ بها".
وفي مقابل غياب المجلس عن أبناء طائفته في هذه الظروف، برزت مبادرات إنسانية واسعة من جهات ومجتمعات محلية من مختلف الطوائف، ولا سيما في البيئات المسيحية وغيرها، حيث سارع أفراد ومؤسسات إلى احتضان النازحين وتأمين المساعدات لهم. هذا المشهد زاد من حدّة الانتقادات داخل الطائفة الشيعية نفسها، حيث تساءل كثيرون عن دور المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وعن السبب الذي جعله غائباً عن مشهد الإغاثة والتضامن في وقتٍ كان يفترض به أن يكون في طليعة من يقفون إلى جانب أبناء طائفته.
كل ذلك أعاد طرح السؤال القديم – الجديد، هل سيتمكن المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى من الخروج من تحت عباءة الحزب ويعود لتمثيل الطائفة بكل مكوّناتها؟
