المراكز الصحية في مرمى نيران الحروب: القانون الدولي الإنساني… حبرٌ على ورق!

jddrtjgfnrd

كتب المحامي ميشال فلّاح: بعد قيام اسرائيل باستهداف المنشآت الطبية والاستشفائية والطواقم الطبية وآليات الإسعاف والإغاثة في لبنان، وقد سبق ان أقدمت، وما زالت، على نفس الارتكابات في غزة، منذ 7 اكتوبر، وما قبلها، فإنه يُطرح في خضم كل هذه الانتهاكات أحكام القانون الدولي الإنساني، ولو أنه قد يبدو للبعض انه “من كوكب آخر”!

في المبدأ المحمي قانوناً، لا ينبغي أن تكون المراكز الصحية في زمن الحرب، هدفاً. ومع ذلك، سيكون من الصعب تجاهل الهجمات على النظم الصحية والمراكز الصحية في عام 2024. ونظراً لأنها محمية بموجب اتفاقيات جنيف، فإن الهجمات على المراكز الصحية تعتبر انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني منذ عام 1949 (المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة، وكذلك البروتوكولان الإضافيان الأول والثاني)، بالإضافة إلى ذلك، فإن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يصنفها كجرائم حرب (المادة 8)، ويدينها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بشدة.

قد يتوقع المرء أنه في ظل الحماية التي توفرها هذه القوانين، ستصبح الهجمات على المراكز الصحية نادرة بشكل متزايد. إلا أن الواقع مختلف تماماً. فوفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، تم تسجيل 1,520 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية العام الماضي، وحتى بداية أيلول المنصرم، تم تسجيل 1,701 هجوم، بما في ذلك الاعتداءات والتفجيرات، في جميع أنحاء العالم.

يتركز هذا العنف بشكل رئيسي حول أربع مناطق صراع رئيسية. اثنتان من هذه المناطق تحت الأضواء الإعلامية بانتظام: الشرق الأوسط والصراع الروسي الأوكراني. أما المنطقتان الأخريان، وإن كانتا أكثر هدوءًا، إلا أنهما مدمرتان بنفس القدر، السودان وميانمار.

في ميانمار، عاد الصراع التاريخي بين أقلية الروهينجا المسلمة، التي لا تعترف بها السلطات البورمية، ضد السكان البوذيين إلى الظهور من حين لآخر منذ أوائل القرن التاسع عشر. وقد أدى هذا الصراع إلى تهديد حياة الآلاف من الأشخاص، مع تجدده بشكل كبير في عام 2017 مما أدى إلى نزوح أكثر من 700,000 من الروهينجا إلى بنغلاديش، التي تعتبرها السلطات البورمية بلدهم الأصلي.

في هذا المناخ من النزاع الدائم، تتكرر الهجمات على المراكز الصحية. فالقصف من قبل الجيش، ونقص الأدوية بسبب الحصار، والقذائف التي تستهدف المستشفيات، واغتيال الطواقم الطبية، واحتلال المستشفيات، والعقبات التي تحول دون الحصول على الرعاية الصحية، كلها أصبحت شائعة.

في السودان، يضع الصراع القوات المسلحة السودانية في مواجهة ميليشيا قوات الدعم السريع شبه العسكرية في صراع مفتوح للسيطرة على السلطة. وقد اندلع هذا الصراع بعد سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، تاركًا فراغًا سياسيًا يستغله هذان الفصيلان المتنافسان. وقد تسبب الصراع، الذي يعصف بالبلاد حاليًا، في مقتل أكثر من 12,000 شخص ونزوح ما يقرب من 8 ملايين شخص، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الإنسانية المقلقة بالفعل.

ويتجه هذا الصراع إلى اتخاذ بُعد عرقي، لا سيما ضد مجتمع المساليت في منطقة دارفور، حيث تتصاعد حدة العنف المستهدف. وتنتقل الاشتباكات إلى الساحة العامة، مما يؤثر بشدة على البنى التحتية المدنية، لا سيما النظام الصحي. وقد عانى هذا النظام الهش أصلاً من انتكاسات شديدة تفاقمت بسبب نقص الأدوية في جميع أنحاء العاصمة الخرطوم.

في أوكرانيا، سجلت منظمة الصحة العالمية حتى 19 آب 2024، 1940 هجومًا على المراكز الصحية منذ بداية النزاع، مما يشير إلى تصعيد واضح، لا سيما بسبب زيادة استخدام الأسلحة الثقيلة.

فمنذ عام 2023، أصبحت هذه الهجمات أمرًا شبه يومي، لا سيما بالقرب من خط الجبهة. وغالباً ما يجبر هذا الوضع المراكز الصحية على الانتقال إلى مواقع غير معلومة، مما يعقد الوصول إلى الرعاية الطارئة لكل من الجنود والمدنيين الذين هم في أمس الحاجة إليها.

أما في الشرق الأوسط، فلا يزال الوضع في غزة يتفاقم، ولم تسلم مرافق الرعاية الصحية من النزاعات. فمنذ بدء الأعمال العسكرية في تشرين الأول الماضي، تم تنفيذ أكثر من 1,000 هجوم ضد المراكز الصحية. وفي الحرب بين حماس وإسرائيل، يتم استهداف المستشفيات بشكل خاص واستخدامها من قبل المتحاربين، إما كمخابئ أو لاحتجاز الرهائن، مما يضيف الكثير من الخسائر البشرية والمادية.

وحتى تاريخ 23 أيلول المنصرم، كان 19 مستشفى من مستشفيات غزة البالغ عددها 36 مستشفى متوقفًا عن العمل، بينما كانت المستشفيات الـ17 المتبقية تعمل بشكل جزئي. وتعاني هذه المستشفيات من نقص حاد في الأدوية والمعدات والوقود، الأمر الذي يهدد بشكل خطير الخدمات الحيوية مثل العناية المركزة وأقسام حديثي الولادة والولادة.

وعلى الرغم من أن المراكز الصحية محمية بموجب القانون الدولي والاتفاقيات الإنسانية، إلا أنها غالبًا ما تُستهدف المراكز الصحية أثناء النزاعات، ولمهاجمة مركز صحي أهمية استراتيجية لعدة أسباب:

  • إضعاف العدو، يؤدي حرمان العدو من الرعاية الطبية الأساسية إلى إضعاف قدرته على الصمود على الأرض. كما تؤثر الهجمات على هذه المرافق أيضاً على السكان المدنيين من خلال حرمانهم من الحصول على الرعاية الحيوية التي تعتبر ضرورية في أوقات انعدام الأمن.

ولا تترتب على هذه الأعمال عواقب جسدية فحسب، بل أيضاً عواقب نفسية، مما يؤدي إلى تفاقم الفوضى داخل المجتمعات المحلية. وبالتالي تصبح المراكز الصحية، التي لا تتمتع في كثير من الأحيان بحماية عسكرية وتعتمد على الإطار القانوني الدولي، أهدافًا معرضة للخطر.

علاوة على ذلك، يمكن أن تحتوي هذه الأماكن على موارد ثمينة، مثل الأدوية والمعدات الطبية والوقود والمركبات والمولدات الكهربائية، والتي يمكن تحويلها لأغراض عسكرية أو اقتصادية.

  • الرمزية والسياسة والأمن، تهاجم القوات شبه العسكرية أحيانًا المراكز الصحية لأسباب رمزية. فقد تمثل هذه المؤسسات سلطة الحكومة في السلطة أو قد يُنظر إليها على أنها أدوات للتدخل الأجنبي، خاصة عندما تتولى منظمات غير حكومية غربية إدارة الرعاية الصحية. والهدف من هذه الهجمات هو إضعاف نفوذ هذه الجهات الفاعلة أو تحدي شرعيتها على الأرض. ووفق الوقائع المؤسفة، فإن الاتجاه في هذا النوع من الهجمات آخذ في الارتفاع في السنوات الأخيرة. فوفقًا للبيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، تم تسجيل 475 هجومًا ضد الهياكل والأنظمة الصحية في عام 2016، و1,013 هجومًا في عام 2019، و2,406 هجومًا في عام 2022.

وبحلول عام 2024، ارتفع هذا الرقم بالفعل إلى 1,701 هجوم، مع عدم وجود أي مؤشر على انتهاء هذه النزاعات الأربعة الرئيسية، مما يعني أن “عداد الموت” في ارتفاع مستمر، على الرغم من كل منظومة القانون الدولي اإنساني.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: