المفاوضات مع ايران.. بداية تفاهم ولا اتفاق

america-iran

في ضوء المتابعة الحثيثة لتطورات المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية الجارية بوساطة باكستانية، يمكن التوقف، في قراءة جيوسياسية، عند أبرز النقاط التالية:

أولاً: نحن أمام مذكرة تفاهم يُعمل على إنجازها تمهيداً للتوقيع، أي مقترح إطاري يركّز على تحويل الخلافات إلى مسودة اتفاق تهدف إلى وقف العنف وفتح قنوات تفاوضية. وفي مضمونه، يتضمن اقتراحاً لوقف التصعيد ومنع الضربات الجديدة كشرط أولي، مع معالجة القضايا الكبرى لاحقاً، إضافة إلى فتح نافذة تفاوضية لتقصير المهلة من 230 يوماً، كما كان يطالب النظام الإيراني، إلى 60 يوماً للتفاوض.

ثانياً: يتم تأجيل الملفات الأصعب، كالتخصيب، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي، إلى مرحلة لاحقة، أي إلى مرحلة التفاوض التفصيلي. وثمة إشارات إلى تنازلات إيرانية غير مباشرة، من خلال القبول بالتفاوض تحت الضغط العسكري، في مقابل تنازلات أميركية ظاهرية وغير مباشرة.

ثالثاً: بالنسبة إلى طبيعة المسودة والإطار، تجدر الإشارة إلى أن المحادثات تتركّز حالياً حول إطار اتفاق أو مسودة تُمهّد الأرضية للتفاوض، فيما يبقى الهدف الأولي وقف الحرب وتأجيل القضايا الخلافية الأساسية، مع وجود مقترح للتفاوض على مراحل ومن دون استسلام أو تسليم قسري.

رابعاً: تم تحديد الملفات الكبرى: التخصيب، اليورانيوم عالي التخصيب، الصواريخ، النفوذ الإقليمي، والبرنامج النووي الإيراني، فضلاً عن بعض البنود التي قد تشمل تحقيقات أو ملفات تتعلق بمنشآت نووية إيرانية معينة. إلا أن الخلاف حول هذه الملفات يجعل التفاهم الحالي غير حاسم، ويؤجل الحسم إلى جولات لاحقة.

خامساً: بالنسبة إلى الإطار الزمني والآليات، فأبرز ما فيه تقليص فترة التفاوض من 230 يوماً إلى 60 يوماً لفتح نافذة تفاوضية قصيرة، وعلى ضوء مجريات التفاوض وبعد انتهاء المهلة، سيُبحث في تأجيل الملفات الأصعب إلى مفاوضات أو مراحل لاحقة.

سادساً: بالنسبة إلى ما يمكن وضعه في خانة التنازلات ومواقف الأطراف، يمكن القول إن ثمة تنازلات إيرانية بصورة غير مباشرة، عبر قبول مبدأ التفاوض تحت الضغط العسكري، في مقابل قبول أميركي ظاهري أو غير مباشر بتفاوض مرحلي. إلا أن الصوت الأميركي، ولا سيما مواقف الرئيس دونالد ترامب، لا يزال مرتفعاً وصارماً. وفي هذا السياق، نشير إلى ما تناقلته بعض التسريبات من أن الرئيس ترامب قد لا يوقّع الاتفاق من دون شروط إضافية يضعها في اللحظات الأخيرة أو ضمن توليفة الساعات السابقة للتوقيع.

سابعاً: يمكن القول إن من بين العوامل التي أسهمت في الوصول إلى هذه المرحلة الإقليمية، التداعيات الإقليمية والعالمية للأزمة، ولا سيما تداعيات أزمة حصار مضيق هرمز وارتباطها بأسواق الطاقة العالمية، ما أوجب وقف التصعيد وفتح نافذة تفاوضية قد تقلّل مؤقتاً من مخاطر انقطاع إمدادات الطاقة.

لكن تبقى هناك أسئلة مفتوحة ونقاط غير محسومة، مثل: هل ستشمل التنازلات تسليم كميات اليورانيوم المخصب أو إدخال تغييرات ملموسة على السلوك النووي الإيراني؟ وهذا السؤال يبقى رهن مجريات التفاوض.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى كيفية ضمان مصداقية التنفيذ، ولا سيما أن الضمانات لم تُوضَّح بعد، فيما تبقى المعلومات الدقيقة في يد أطراف محددة فقط، ناهيك عن غياب الوضوح حول تفاصيل الملفات التقنية، مثل نسب التخصيب، وآليات التحقق، وحدود التخصيب. علماً أن الحوار الجاري بين الطرفين تضمّن إشارات إلى ضرورة أن يكون الاتفاق شاملاً وممنهجاً، لكنه في الوقت نفسه قابل للتدرّج في التنفيذ.

ثامناً: بالنسبة إلى مسألة عودة التخصيب إلى نسبة 3.67% بعد تجميد العملية لمدة تتراوح بين خمس وسبع سنوات، فالجدير ذكره أن إيران تمتلك أكثر من 10 أطنان من اليورانيوم منخفض ومتوسط التخصيب، إضافة إلى ما بين 23 و25 ألف جهاز طرد مركزي، بما في ذلك أجهزة IR-6 وIR-9 وبالتالي، فإن التجميد الحالي لا يحل المشكلة، في ظل القدرة الإيرانية على تسريع التخصيب ورفع النسب خلال فترة زمنية قصيرة.

لذلك، فإن كل المؤشرات تؤكد أن أي تفاهم، إذا تم، لن يتعدّى كونه هدنة استراتيجية مؤقتة لاختبار جدية النظام الإيراني في الالتزامات، لا اتفاقاً نهائياً. فإيران لا تزال تمتلك قدرة فعلية على التعجيل والتهديد، من خلال الأجهزة المتطورة التي تتيح تسريع وتيرة التخصيب ورفع النسب خلال وقت قصير.

وفي المقابل، تبدو واشنطن موافقة، بناءً على طلب إقليمي ملح، على إمكانية تأجيل مناقشة القضايا الجوهرية لفترات قصيرة تتراوح بين 30 و60 يوماً، في ظل اختبار الإيرانيين لورقة رابحة تتمثل بالتهديد بإغلاق مضيق هرمز كورقة ردع ذات تأثير مباشر على سوق الطاقة العالمي.

تاسعاً: أما على الصعيد الجيوستراتيجي، فإن المواقف الدولية والإقليمية لم تساعد الرئيس ترامب وإدارته على الذهاب إلى النهاية، رغم الضغط الإسرائيلي الذي مارسه ولا يزال يمارسه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لاستكمال الحرب.

فغياب الاصطفاف الدولي القوي، على غرار دعم كامل من حلف شمال الأطلسي للولايات المتحدة، لو توفر، كان قد يقود إلى تغيير كبير في معادلة الردع.

فالولايات المتحدة تنازلت عن خيار الحسم العسكري السريع، في مقابل تنازل إيران عن الرفض المطلق للتفاوض، فيما لا تزال إسرائيل تحاول منع تحويل الهدنة إلى حالة تثبيت طويلة لصالح بقاء النظام الإيراني.

ويبقى أن الهدنة مكّنت النظام الإيراني من إعادة تثبيت وضعه الداخلي وترميم قدراته العسكرية والأمنية من دون تقديم تنازلات جوهرية، مع الاحتفاظ باليورانيوم كأداة بقاء وورقة ردع، والسعي إلى تحويل التهدئة إلى اعتراف بالدور الإقليمي لإيران عبر قنوات ضغط ووساطات متعددة.

لكن، ومع كل ذلك، يبقى احتمال التصعيد الإقليمي الكبير قائماً إذا وصلت الخلافات إلى مرحلة الضربات ضد إيران، أو في حال اشتداد المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

ولذلك، ما لبث مسؤولون إيرانيون أن أعلنوا أن أي اعتداء على النظام سيجعل المنطقة "على مرمى حجر" من التصعيد، وهو أمر طبيعي في سياق هذه التصريحات، إذ يعتبر الجانب الإيراني أن مضيق هرمز يشكل أهم ورقة ردعية لديه، ومن المحتمل اللجوء إلى التهديد بإغلاقه في أي وقت.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: