لم يعد الحديث عن الدولة والقانون في حياة كثير من الناس حديثًا واقعيًا بقدر ما هو توصيف نظري جميل يُتداول في الخطابات والشعارات. فبين النصوص الدستورية التي تَعِد بالمساواة والعدالة، وبين الواقع اليومي الذي يعيشه المواطن، مسافة شاسعة يملؤها العجز والتراكمات والخذلان. ومع مرور الوقت، يتكوّن لدى الفرد شعور متزايد بأن انتظار العدالة بات ضربًا من الترف، وأن استرداد الحق قد لا يأتي إلا عبر ما يُسمّى "المبادرة الشخصية"، حتى ولو كان ذلك خارج الأطر الرسمية والقانونية.

عند هذه النقطة تحديدًا، لا يعود تجاوز الدولة موقفًا مبدئيًا أو خيارًا أيديولوجيًا، بل نتيجة طبيعية لفقدان الثقة بها. فحين تغيب المؤسسات، أو تُصاب بالشلل، أو تصبح عاجزة عن حماية مواطنيها، يتحوّل أخذ الحق باليد إلى تعبير عن يأس صامت أكثر منه تمرّدًا صريحًا على القانون. هو سلوك نابع من شعور بالعجز، لا من رغبة في الفوضى.

في هذا السياق، برز موقف الفنان أسعد رشدان، الذي أعلن بعد التهديدات التي تعرّض لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أنّه تلقّى أكثر من 300 رسالة تهديد، نسبها إلى حزب الله.
وفي حديث خاص لموقع LebTalks، كشف رشدان عن أنّه لم يتقدّم بأي شكوى إلى السلطات المعنية، مبرّرًا ذلك بفقدانه الثقة بالدولة ومؤسساتها.

وقال رشدان: "لا يهمّني لا هؤلاء ولا من هم أكبر منهم. مسيرتي الفنية تمتد لأكثر من خمسين عامًا، ولا أحد يستطيع التأثير عليها. لم يعد لديّ ما أخشاه، لا في الفن ولا في الحياة".
أضاف: "لا أعتقد أننا نسير على الطريق الصحيح لبناء دولة حقيقية، والسبب واضح جدًا: المسايرة، والتغاضي، والخوف الدائم من اندلاع حرب أهلية".

في هذا الكلام، لا يتحدث رشدان بصفته فنانًا فحسب، بل كمواطن يعبّر عن مزاج عام يطغى على شريحة واسعة من اللبنانيين، حيث الخوف من الانفجار الداخلي أصبح مبررًا لتعطيل العدالة وتجميد المحاسبة.
في المحصلة، لا يمكن تبرير أخذ الحق باليد بوصفه خيارًا صحيًا أو مستدامًا، لكنه في الوقت نفسه لا يولد من فراغ. إنّه انعكاس مباشر لانهيار الثقة بين المواطن ومؤسساته، وصورة عن دولة تتراجع تدريجيًا عن دورها الطبيعي في الحماية والإنصاف. وبين قانون معطّل وعدالة مؤجّلة، يبقى الفرد عالقًا في منطقة رمادية، حيث يتحوّل السعي إلى الحق من فعل قانوني إلى معركة شخصية، لا ينتصر فيها أحد، حتى من يظنّ أنه ربح حقّه.