بغض النظر عن الروتين الذي وقعت فيه لجنة الميكانيزم والتي جاء التعبير عنها على لسان مساعدة المبعوث الاميركي مورغان أورتاغوس بتبرير غيابها عن اجتماعات اللجنة الاخيرة بعدم حصول اي تقدم او جديد، اذا ببيان الجيش اللبناني امس والمرفق ببيان رئاسة الجمهورية وبيان الحكومة يأتوا لتثبيت معادلة يخوضها على ما يبدو المستوى السياسي اللبناني في هذه المرحلة: معادلة الامساك بالعصا من الوسط . فالدولة وإرضاء للاميركي وتخفيفا من التصعيد الاميركي في مواقف نواب وشيوخ اميركيين هاجموا السلطة السياسية والغوا زيارة قائد الجيش الى واشنطن عينت السفير سيمون كرم المدني رئيسا للوفد اللبناني في الميكانيزم لكن في نفس الوقت لم تعطيه صلاحيات مبادرة وتقديم عروض تفاوضية بل زودته بمطالب لبنان المعروفة والتي يرفضها الاسرائيلي سلفاً بحيث عين السفير كرم كسياسي مدني من دون ارضية تفاوض متفق عليها مع الاميركيين فاراد المستوى السياسي اللبناني ارضاء الاميركي شكلا والتمسك بمواقف الثنائي الشيعي في المضمون.
ومع بيان قيادة الجيش امس تكرس هذا النمط المبني على الايهام بان جنوب الليطاني بات تحت سيطرة الجيش في حين تمعن اسرائيل قصفا وقتلا جنوب الليطاني ضد اهداف لحزب الله كما في شماله والبقاع.
ودليل هذا النمط الوسطي رفض رئيس الجمهورية جوزاف عون امس خلال جلسة مجلس الوزراء طلب وزراء "القوات" و"الكتائب" من قائد الجيش رودولف هيكل جدولة زمنية لحصر السلاح شمال الليطاني ومسارعة القصر الجمهوري في تأييد بيان الجيش اللبناني كاملا وكذلك تأييد رئيس مجلس النواب نبيه بري له، فيما بدى رئيس الوزراء نواف سلام على موجة مختلفة عن الاخرين وهو الذي يدرك علم الادراك ضرورة ظهور الدولة بوضوح اكبر.
وهذا ما ترجمه حتى مكتب رئيس الوزراء الاسرائيلي حين رد فورا على بيان الجيش اللبناني بان ما انجز في جنوب الليطاني جيد لكن غبر كاف.
فالمسألة اذا عادت لنقطة البداية وحين كتبنا بتاريخ ٣/١٢ مقالتنا بعنوان " خديعة التفاوض: ها تتكرر التجارب السابقة" كنا بالظبط نعني ما وصل اليه الوضع الحالي في لجنة الميكانيزم من نتائج مخادعة كل طرف الاخر: لبنان وحزب الله واسرائيل في ظل غياب اي جدول اعمال محدد ومفصل لعمل اللجنة في وجهيها العسكري والسياسي وفي ظل اكتفاء السلطة اللبنانية بمسك العصا من الوسط بطريقة لا تقتل فيها الناطور ولا تأكل كل العنب.
لذلك فاننا نعتبر الوضع ذاهب الى مخاطر كبيرة ولبنان مقبل على ايام عصيبة لان وسطية الدولة ومحاولات كسب الوقت لن ترضي لا واشنطن ولا تل ابيب فاستمرار المستوى السياسي اللبناني في اعتماد البطء والمراحل الطويلة لتنفيذ خطتها بحصر السلاح تجنبا لاي صدام داخلي مع الحزب سيؤدي الى اعادة المبادرة للاسرائيلي خاصة بعد اعطاء الرئيس الاميركي دونالد ترامب الضؤ الاخضر لرئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بضرب الحزب وسلاحه في مارا لاغو - فلوريدا مؤخرا .
وسطية الدولة المترددة تتحول شيئا فشيئا وبال عليها وما عليها وكما سبق لنا وكتبنا ما عليها فعله مريد من الحزم والحسم تطبيقا للدستور والقانون ليس الا.
بيان الجيش اللبناني تاريخ ٨/١/٢٠٢٦ لم يكن كافيا ولا واضحا ولا دقيقا بما فيه الكفاية وهو يعلم والمستوى السياسي يعلم ان واشنطن تعلم وتل ابيب تعلم بان سياسية كسب الوقت و"التمغيط" تقرب ساعة بساعة ويوما بيوم لحظة الحرب وكلمة الفصل العسكرية على لبنان.
وننهي بالتأكيد ان كلامنا ليس ابدا انتقاصا من دور الجيش اللبناني الحبيب ولا من جديته والتزامه الوطني الصافي بل كونه خاضعا للسلطة السياسية فهو موجه للمستوى السياسي اللبناني وتحديدا للرؤوساء الثلاث الذين لا يبدو واحدا منهم منسجما مع الاثنين الاخرين في المواقف والقناعات.