بين الجنوب وطرابلس.. صورتان لدولة واحدة

nawwaf

صورتان تحكمان واقع الحكومة، الصورة الأولى هي التطورات العسكرية المتواصلة في الجنوب، وما رافقها من دمار وملف إعادة الإعمار.

أما الصورة الثانية فهي انهيار المباني السكنية في طرابلس، والخشية الحقيقية من كارثة إنسانية أكبر، وضرورة تأمين بدائل فورية للمشردين.

في الحالتين، يتكرر السؤال نفسه على ألسنة المعنيين: أين الدولة؟

وهو سؤال محق، لكن الواقع أن المواطنين يتعاطون مع دولة كانت في الجنوب مغلوبة على أمرها في قرار الحرب والسلم، فيما هي في طرابلس عاجزة عن تلبية الحاجات بسبب غياب الإمكانات وتراكم الإهمال والفساد.

ورغم كل ذلك، لا يمكن القول إن الدولة غائبة لا في الجنوب ولا في الشمال.

في الجنوب، أطلقت الدولة عملية إعادة الإعمار بما توافر من إمكانات، ولو أن الأمر سيقتصر في مرحلته الأولى على إعادة تأهيل الطرقات، المباني العامة، وبعض أعمال الترميم. ولا بد من التذكير بأن الدولة كانت حاضرة في الجنوب قبل الحرب، حيث شهدت المنطقة على مدى عقود أفضل شبكات طرقات، ومدارس رسمية أكاديمية ومهنية، ومشاريع مياه، ومستشفيات حكومية، ومرافق عامة موّلت بمعظمها من أموال الخزينة عبر مجلس الجنوب.

من هنا، فإن إنكار وجود الدولة في الجنوب لا يستقيم مع الوقائع، كما أن الدولة ليست مسؤولة عن الدمار الذي لحق بالمنطقة، إذ إن قرار السلم والحرب كان ولا يزال خارج إطارها الدستوري، بيد "الدويلة"، ما أدى إلى حروب متكررة دفعت أثمانها المناطق الجنوبية وسكانها، رغم ما نالته من مساعدات وإنماء على مدى عقود.

في المقابل، لو وُجدت الدولة في الشمال كما وُجدت في الجنوب، لكانت معالجة ملف الأبنية المهددة بالانهيار في طرابلس أفضل بكثير اليوم. فقد لعب رئيس مجلس النواب نبيه بري دوراً أساسياً في تأمين المشاريع والتمويل للجنوب على مدى سنوات طويلة، فيما يبدو أن القيادات السياسية في طرابلس لم تلعب الدور نفسه، سواء بسبب ضعف التأثير أو تغلغل الفساد المالي والإداري، فكانت النتيجة ما نشهده اليوم من إهمال مزمن وكوارث متراكمة.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن طرابلس ليست الحالة الوحيدة. فمناطق عدة في لبنان عانت، وعلى مدى أكثر من أربعين عاماً، من غياب التنمية وحرمانها من أبسط حقوقها، سواء في الشمال أو في الأطراف أو في مناطق مثل فتوح كسروان، حيث الفقر المدقع وغياب الاستثمارات والبنى التحتية، في مقابل تركّز المشاريع في مناطق من دون أخرى.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر، يبرز سؤال مشروع: لماذا لا تقتطع الحكومة جزءاً من الأموال المخصصة لإعادة إعمار الجنوب لتحويلها إلى طرابلس؟ ولماذا لا تقترض الدولة من أجل إنقاذ الشمال كما اقترضت من أجل الجنوب؟ وهل يجوز أن يبقى معيار التدخل مرتبطاً بالسياسة لا بحاجات الناس وحقهم بالحياة الكريمة؟

اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، تقع على عاتق الحكومة مسؤولية تقديم مقاربة مختلفة، تقوم على خطة شاملة لكل المناطق اللبنانية، من دون استثناء أو تمييز، وبعيداً عن منطق المحاصصة والزبائنية. فالمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، وإذا لم يتساووا يوماً في الواجبات، فعلى الدولة أن تبادر على الأقل إلى مساواتهم في الحقوق.

ربما الأيام المقبلة ستكون كفيلة بالإجابة عن هذه الأسئلة، لكن المؤكد أن أي خطة إنقاذ فعلية لا يمكن أن تنجح ما لم تُبنَ على العدالة الإنمائية، واستعادة دور الدولة، وحصر قرار الحرب والسلم بيدها وحدها، لأن التنمية لا تزدهر في ظل الحروب، ولا العدالة تولد في ظل الغياب.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: