لم تعد معاملة المختار تفصيلاً إدارياً عابراً في حياة اللبنانيين، بل تحوّلت إلى محطة يسبقها سؤال أساسي: كم ستكلّف؟ فبين النص القانوني الذي يحدّد الرسوم، والواقع الذي يفرض أرقاماً متبدّلة، تتكرّس فجوة يتحمّل المواطن تبعاتها يومياً.
بحسب القوانين المرعية الإجراء، تقتصر الرسوم التي يمكن للمختار استيفاؤها على الشهادات الأصلية، ضمن تعرفة تحددها مراسيم رسمية، فيما تُعدّ باقي الخدمات من صلب الوظيفة العامة غير المدفوعة. إلا أن التطبيق العملي يُظهر أن هذه الحدود غالباً ما تختلط مع طوابع ورسوم أخرى، فتُقدَّم للمواطن ككلفة واحدة غير مفصّلة.
خلال الأشهر الماضية، جرى التداول بتعرفة موحّدة للمستندات الأصلية حدّدت بـ400 ألف ليرة، على أن يُحتسب طابع المختار بشكل منفصل. لكن هذا التحديد لم يُترجم على أرض الواقع كما هو، إذ يقول مختار في إحدى بلدات إقليم الخروب إن "المشكلة ليست في الرقم بحد ذاته، بل في تغيّر أسعار الطوابع الرسمية وعدم وضوحها، ما يضع المختار أحياناً في مواجهة مباشرة مع المواطن".
يضيف: "نحن نُتّهم بفرض تسعيرات عشوائية، فيما الكلفة الفعلية تتبدّل بحسب الطابع المطلوب ونوع المعاملة".
في المقابل، يرى مواطنون أن "غياب الشرح الواضح هو جوهر المشكلة". وتقول سيدة انتظرت إنجاز معاملة إخراج قيد: "لا يهمّني كم أدفع، بقدر ما يهمّني أن أعرف لماذا أدفع هذا المبلغ. كل مرة أسمع رقماً مختلفاً، ولا أحد يقدّم تفصيلاً".
ولا يمكن إغفال التفاوت المناطقي في هذا السياق. فبين مختار يلتزم بالسقف القانوني، وآخر يتقاضى مبالغ إضافية تحت مسمّى "كلفة المعاملة"، تتفاوت الأسعار بين منطقة وأخرى بشكل لافت. ويشير مختار آخر من إحدى القرى الجنوبية إلى أن "الانهيار المالي فرض واقعاً جديداً، إذ باتت المستلزمات الأساسية للعمل، من أوراق وطوابع وتنقّل، تُدفع من الجيب الخاص، في ظل غياب أي دعم فعلي".
غير أن هذا التبرير لا يلغي مسؤولية الدولة، خصوصاً في ما يتعلق بالرقابة. فالقانون يفرض على المخاتير مسك سجلات للمعاملات، ويمنح الإدارة صلاحية المحاسبة عند المخالفة، إلا أن هذه الآليات نادراً ما تُفعّل، ما يفتح الباب أمام اجتهادات فردية.
وتتفاقم الإشكالية مع قرارات رفع أسعار الطوابع من دون تأمينها بالكميات الكافية. وفي هذا الإطار، يعتبر أن أي قرار بزيادة السعر يجب أن يترافق مع تأمين الطابع، وإلا تعطلت المعاملات وتضرر المواطن أولاً.
في المقابل، باتت دوائر النفوس تُعدّ من الموارد المالية المتنامية للخزينة، في ظل الزيادات التي طالت رسوم عدد من المعاملات الرسمية، وفي مقدّمها إخراج القيد. وفي هذا السياق، أفاد مواطنون بأن "بعض المخاتير، ولا سيما في بيروت، يعرضون إنجاز إخراجات القيد الفردية مقابل مبالغ تتراوح بين 30 و50 دولاراً"، تحت ذريعة "تسريع المعاملة".
إلا أنّ هذه الممارسة تتناقض مع الواقع القانوني، إذ إن كلفة إخراج القيد تقتصر على الطوابع المالية وطابع المختار حصراً، فيما يُفترض أن يُستخرج المستند نفسه من دوائر النفوس من دون أي بدل إضافي.
في الخلاصة، لا تكمن الأزمة في رسم محدد، بل في غياب الشفافية وتوحيد المعايير. وبين مختار يحاول تبرير الواقع، ومواطن يطالب بحقه في المعرفة، تبقى الحاجة ملحّة إلى تنظيم فعلي يعيد الثقة إلى أبسط المعاملات اليومية.