كتب سعد كيوان:
لا شك أن دونالد ترامب رئيس "فريد من نوعه" يحكم أميركا ويمارس وهج سلطته على مختلف أنحاء العالم، مازجاً بين نشأته وتكونه التجاري كرجل اعمال وشغفه في السياسة اذ انه جرب حظه اول مرة عام 2000، وهذا انعكس على افكاره وطبيعة تعاطيه بطريقة شخصية مع قضايا ومسايل دولية. ولا يمكن بين الاثنين نسيان تجربته كاعلامي اذ كان يقدم برنامج تلفزيوني ذات طابع تجاري استمر اكثر من عشر سنوات لغاية عام 2015 اي قبل عام من ترشحه عن الحزب الجمهوري للمرة الاولى، وهو لذلك اختار اكثر من وزير في حكومته الحالية من الإعلاميين السابقين كوزير الدفاع الحالي القادم من فوكس نيوز.
هذا المزج بين الشخصية والتجربة مارسه ترامب في فترة رئاسته الاولى التي ختمها باغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني الرجل القوي في نظام الملالي والمقرب من المرشد الأعلى السابق علي خامنئي.
وقد دشن ترامب ولايته الثانية برفع شعار "السلام بالقوة" مؤكداً قناعته من ان السلام لا يمكن تحقيقه بغير القوة، السلام الذي يريد تحقيقه في غزة (فلسطين) وفي أوكرانيا كما اعلن خلال حملته الانتخابية، وهو يمارس هكذا بدءاً من غزة حيث فرض "مجلس سلام" برئاسته الشخصية مروراً بفنزويلا، التي قام باعتقال رئيسها مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة ومحاكمته، وصولاً إلى إيران التي يخوض فيها وعليها حرباً ضروس تعقدت وتشعبت لتطال لبنان الذي أصبح الورقة الاقوى في اللعبة التي تحاول ايران توظيفها في كباشها غير المتكافئ مع واشنطن، مستندة إلى "حزب الله" الذي لقنته واعادة تسليحه وتشرف اليوم بالمباشر على قيادته العسكرية والميدانية في مواجهة إسرائيل التي تسببت في احتلالها مجدداً للبنان عبر دفع "الحزب" إلى إطلاق الصواريخ على إسرائيل يوم 2 آذار الماضي انتقاماً لمقتل خامنئي في حين انه لم يطلق طلقة واحدة على اثر اغتيال إسرائيل زعيمه حسن نصرالله.
والآن تسعى ايران لإحراج ترامب في المفاوضات الثنائية من خلال الضغط على إسرائيل عبر "الحزب" الذي تحركه كما تشاء. وقد تجاوب ترامب بضغطه على نتنياهو كي يلتزم يوقف إطلاق النار وهذا امر جيد للبنان، وذلك كي تنطلق المفاوضات في سويسرا.
غير ان لبنان الرسمي والشرعي يرحب ويستفيد من وقف اطلاق النار غير انه لا يمكن ان يترك للملالي ان يحاولوا المفاوضة عن لبنان الذي يريد ان تنسحب إسرائيل بالكامل من الأراضي اللبنانية، وهذا ما سيطرحه بقوة في مفاوضاته التي استؤنفت اليوم مع إسرائيل في واشنطن.
ويبدو أن ترامب واع لهذه المسالة فهذا نائبه فانس يتصل برئيس الجمهورية جوزف عون مطمئناً كما اتصل ايضاً صهره كوشنير لللتأكيد ان الحكم اللبناني الشرعي هو من يقرر عن لبنان وباسمه، وان قرار انسحاب إسرائيل، ولو تدريجي، يجب ان يحصل مع الوفد اللبناني الذي يمثل الحكم في لبنان وليس ايران او ميليشيتها المسلحة التي أساساً محظورة ولا شرعية لها بقرار لبناني حكومي رسمي منذ نحو سنة اي في 5 و7 اب 2025.
ومع ذلك حاولت ايران ان تمارس لعبتها المفضلة في المماطلة وكسب الوقت فراحت تهدد وتخرج من الجلسة وتقاطع لقاء جنيف لمعرفتها بأن ترامب يفضل التفاوض على الحرب، اقله في هذه المرحلة، اذ لم يعد لديه الان متسعاً من الوقت فهذه مباراة المونديال تجري حالياً بجزء منها على ارضه، وأمامه احتفالات الميتين وخمسين لقيام الولايات المتحدة، ولاحقاً الانتخابات النصفية في اميركا في تشرين الثاني المقبل، وهو بالتالي بحاجة إلى الصورة.
غير ان "المرابي" ترامب ذكّر الملالي بأنه هو من قتل سليماني واذا لم يضبطوا صنيعتهم، "الحزب"، فستنهال القذايف على رؤوسهم بالمباشر. فاستؤنف لقاء سويسرا وتم التوصل إلى ما تم التوصل اليه، وراح الإيرانيون يتغنون بأنهم انتزعوا مسألة استعادة الاموال المجمدة غير مدركين بأن فخاً نصبه ترامب الذي نبههم بأن مسالة تخصيب النووي والعقوبات والأموال المجمدة ثلاثة أمور ليس بامكانه التساهل بها اذ ان سوابق الرئيس اوباما تلاحقه بقرار شخصي منه لا يمكنه تخطيه، فقام بتنغيص عليهم فرحتهم معلناً ان الاموال المجمدة، التي حاول الملالي استعادتها عداً ونقداً، سيتم الإفراج عنها وستستخدم حصرًا لشراء المحاصيل من المزارعين الاميركيين، وهو الذي كان يعير اوباما بأنه سلف نقداً مليار وسبعمئة مليون للملالي الذين استعملوها في تمويل اذرعهم المسلحة في لبنان والعراق وغزة واليمن.
وهكذا عود على بدء! ترامب يشطح ويسترسل احياناً من منطلق كونه تاجر ولكنه في كثير من الأحيان يعيد النظر في حساباته بشكل جيد على امل ان يمارس ذلك مع لبنان في واشنطن يودي إلى قرار بانسحاب إسرائيل.