المنطقة قاب قوسين أو أدنى من حرب، تجمع كل المؤشرات على أنها ستكون قاسية وشاملة.
تعيش المنطقة تصاعداً في التوتر وتأهباً لعواقب عسكرية، والمعلومات تجمع على أن التصعيد الآتي قد يكون أكبر وأشد تأثيراً من العمليات السابقة، أي حربَي الـ12 يوماً والـ40 يوماً.
فالنهج الأميركي بقيادة دونالد ترامب تحوّل في الأيام الأخيرة إلى وتيرة تصاعدية من التهديدات وتنفيذ عمليات مستمرة في جنوب غربي إيران، فيما يذهب النظام في إيران وميليشياته في "عصيانهم" للمطالب الأميركية والجهود الدبلوماسية إلى النهاية، ولا سيما في ما يتعلق بمضيق هرمز، ومضيق باب المندب أخيراً، ما يؤشر إلى أن الردود الإيرانية بدورها ستكون على نطاق أكبر إذا لم تُفلح الضغوط في ثني النظام الإيراني، أو ما تبقى منه، عن التراجع والقبول بالمطالب الأميركية.
ومن أبرز ساحات الرد الإيراني على أي حرب جديدة العراق، المتضرر محلياً واستراتيجياً، لوجود مخازن صواريخ وفصائل قد تشعل حرباً شيعية - شيعية، وحرباً مع الدولة العراقية، بالتزامن مع اشتعال محاور أخرى، ومنها لبنان.
فالتصعيد الإقليمي كبير، ومستوى التوتر يتجاوز المراحل السابقة، في ظل احتمال هجوم أميركي أكثر تدميراً على إيران إذا فشلت المراحل الدبلوماسية حتى اللحظة الأخيرة، وهي، بحسب المعطيات، لم تحقق أي اختراق حتى الساعة. كما تبيّن أن كل المساعي الخليجية ذهبت سدى مع الإيرانيين، ومعها تراجع الرهان الخليجي على نهج التنمية والدبلوماسية كمحاولة للتخفيف من التوتر وتجنب الحرب، الأمر الذي قد لا يمنع وقوع المواجهة.
النهج الأميركي تغيّر إزاء إيران، ومعه ارتفعت أسهم الحرب، ولذا ليست صدفة تصاعد اللهجة السياسية والعسكرية لإدارة ترامب، التي حرّكت مجدداً الترسانات والوسائل العسكرية، بما يوحي بأن الضربات اللاحقة ستكون أشد وقعاً على إيران إذا لم تستجب لمطالب واشنطن، مع إبقاء الباب موارباً أمام أي محاولة دبلوماسية لإيجاد حلول.
في المقابل، لم يُظهر النظام في إيران حتى الآن استعداداً كافياً لقبول المطالب الأميركية، ما يعني تفضيله لغة القوة، واستعداده لاستخدام شبكات الوكلاء والميليشيات، من الحوثيين إلى حزب الله والفصائل العراقية وشبكات إقليمية أخرى، كوسيلة ضغط وإرباك للخصم الأميركي.
ففي العراق، هناك وجود لمجموعات من الحرس الثوري منتشرة باحترافية، إضافة إلى مخازن صواريخ في قواعد ومناطق صحراوية، وقد أظهرت جهوزيتها لاستهداف منافذ ونقاط العبور، كما حصل في استهداف نقطة العبدلي الحدودية بين العراق وسوريا، في رسالة واضحة للتأثير على التجارة والاستقرار بين البلدين.
فالعراق تعرض للأذى مبكراً، ويُتوقع أن يدفع ثمناً أكبر، وقد يتحول إلى ساحة للتأثير الإيراني المباشر، مع وجود الفصائل العراقية ومخازن الصواريخ والمركبات في مناطق مثل السماوة وذي قار والبصرة وعلى الشريط الحدودي، ما سيعرضه أيضاً لمخاطر الانقسام الداخلي، إذ قد تؤدي الضربات القاسية إلى تفاقم الانقسامات الطائفية والسياسية، واستقطاب المكونات السنية والكردية والشيعية، إضافة إلى الانتماءات العشائرية.
ومن هنا، تبرز احتمالات مواجهة مسلحة بين القوات العراقية والميليشيات، نتيجة عمليات انتقامية أو تصعيد ميداني.
أما الممرات والموانئ البحرية والجزر الاستراتيجية، فستكون مسرح العمليات المقبلة، وفي مقدمها مضيق هرمز، وباب المندب، والممرات البحرية الحساسة، إذ إن تهديدها سيؤثر على استيراد العراق وتدفقات السلع، فيما يكمن الخطر في قدرة الخصم على فرض حصار أو تعطيل ممرات الشحن، بما يلحق أضراراً اقتصادية بدول المنطقة.
وأي حرب جديدة قد تطال جزرًا استراتيجية، مثل طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، لما تمثله من أهمية عسكرية وسياسية بالنسبة إلى الأميركيين، إذ قد تصبح السيطرة عليها مستدامة إذا دخلتها القوات الأميركية عبر عمليات إنزال موضعية.
طبول الحرب تُقرع، والمنطقة أمام مسارين واضحين: إما استمرار المحاولات الدبلوماسية، وإما تصعيد عسكري أكبر إذا فشلت الضغوط على النظام في طهران. وهذه المرة، يبرز احتمال كبير لعمليات برية أميركية، بعدما أظهرت الولايات المتحدة قدرة فائقة على تنفيذ عمليات دقيقة، كما حصل في عملية الإنقاذ التي نُفذت خلال حرب الأربعين يوماً داخل الأراضي الإيرانية، خلال 48 ساعة، من دون خسائر بشرية أميركية تُذكر.
ومع قرع طبول الحرب، تبدو المنطقة معرضة لتداعيات اقتصادية وأمنية كبيرة، تبدأ بتعطيل الموانئ والمعابر، وتمر بانسداد سلاسل الاستيراد، ولا تنتهي عند زعزعة أمن واستقرار دول المنطقة، وفي مقدمها العراق.
فالتوتر بلغ مستويات مرتفعة، وإيران وميليشياتها تستخدمان أدوات إقليمية في مواجهة الولايات المتحدة، فيما يبقى العراق في قلب المشهد، معرضاً لخطر الانقسام الداخلي والتصعيد إذا اتسعت رقعة العمليات.