تتسارع الأحداث يومياً، لا بل بين ساعة وأخرى، بحيث إنه من المفيد التراجع قليلاً للتمكن من الإلمام بالمشهد العام بشكل متكامل.
فانطلاقاً من المراقبة والتحليل لسير الأحداث في اليوم الخامس من تلك الحرب، يمكن تسجيل الآتي:
أولاً: وللمرة الثانية، أجواء إيران مستباحة من قبل سلاحي الجو الأميركي والإسرائيلي، اللذين تمكّنا خلال الأيام والساعات القليلة الماضية من تحقيق أهداف كبيرة في تدمير قواعد الصواريخ الباليستية، وتدمير قواعد وقيادات الحرس الثوري والشرطة والاستخبارات الإيرانية، حتى وصلوا إلى رأس المرشد الأعلى دون أن يرفّ لهم جفن.
ثانياً: ظاهرة التناقص في إطلاق الصواريخ الإيرانية، بحيث لوحظ أن الرد الإيراني "المزلزل" كما قيل إثر اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي لم يتحقق، كما أن إطلاق الصواريخ على إسرائيل حلّ مكانه إطلاق الصواريخ على الدول العربية والخليجية، بحيث أُحصيت كمية الصواريخ على تلك الدول أكثر عدداً منها تلك التي استهدفت ولا تزال تستهدف أهدافاً إسرائيلية.
والتناقص في عدد الصواريخ الإيرانية التي تُطلق يعكس الشح في المخزون الإيراني، خاصة إذا ما كانت الحرب ستمتد لأكثر من 3 إلى 4 أسابيع.
ثالثاً: من مفاعيل "العدوان الإيراني على دول الخليج" "الإيجابية" أنه حقق تقارباً هاماً بين الرياض وأبو ظبي من خلال اتصال المحمدين (محمد بن سلمان ومحمد بن زايد)، والتنسيق الذي عاد في المواقف والتصدي العسكري لاعتداءات إيران على دولتيهما ودول المنطقة.
رابعاً: وبموازاة تحقيق الاعتداءات الإيرانية التقارب بين المملكة العربية السعودية وقطر أيضاً، يُلاحظ أن تلك الاعتداءات الإيرانية أعادت اللِحمة والحرارة إلى مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وقد كان بيان مجلس التعاون الأخير نموذجاً غير مألوف من البيانات الخليجية الحازمة والحاسمة ضد إيران بعد سنوات من الاستيعاب والتفهم و"الموالفة" الصعبة مع إيران ولاية الفقيه.
خامساً: مع اشتداد الهجمات الإيرانية على دول الخليج، تصاعدت حدة الخطاب الخليجي بالتنديد والشجب والسخط من تصرفات نظام الملالي، ما ينذر بتحول الاستهجان والرفض إلى تورّط حقيقي في عمليات عسكرية إذا استمر تمادي الإيرانيين في مهاجمة جيرانهم الخليجيين، والذين لم يبخلوا عليهم في السابق حواراً وفهماً وتفهماً واحتضاناً.. فكان شكر الملالي بقصف الدول الصديقة له.
سادساً: لوحظ بوضوح عدم تورّط الروس في تلك الحرب نتيجة عوامل جيوسياسية عدّة، ليس أقلّها إنهاك عسكري روسي في أوكرانيا، حيث لم ينجح جيش موسكو في تجاوز 50 كلم عمق أوكرانيا طوال 4 سنوات، فضلاً عن التردي الاقتصادي الكبير في روسيا، وبالتالي لا مجال لتورط روسيا في صراع جديد مع أميركا إلى جانب إيران، لا سيما بعد مباركة الرئيس الأميركي دونالد ترامب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين السيطرة على الدونباس والاستفادة من خيراتها بعد ضمها للاتحاد الروسي، في مقابل حوافز اقتصادية وسياسية لكييف.
سابعاً: كذلك عدم تورط الصين لأسباب عدّة، أهمّها أن الصين تبيع لأميركا، رغم العقوبات، حوالي 480 مليار دولار سنوياً، فمصدر الكاش للصين هو الولايات المتحدة.
والنفط الإيراني الذي كان يذهب إلى الصين، جاء الرئيس دونالد ترامب وسمح للصين باستيراد النفط الفنزويلي بسعر السوق، وهو أرخص من سعر البرميل الإيراني، وبالتالي وسط كل هذه الحوافز والمصالح لا يمكن تصور الصين في مواجهة واشنطن وأساطيلها في بحر الخليج.
وبالتالي لن تتورط الصين لنجدة إيران، والمعلوم أن ثمة قمة تُحضّر بين الزعيمين الأميركي والصيني خلال أيام، والصين بحاجة للزيوت من أميركا، والاجتماع مخصص لرفع القيود الجمركية والمالية على الصين لتمكينها من استيراد الصويا والزيوت. فمصالح الصين أكبر وأهم من الدفاع عن نظام يهوى.