حين يصبح تمسّك رئيس الجمهورية بحقّ لبنان في اتخاذ قراره من بيروت لا من أي عاصمة أخرى سبباً لحملة سياسية وإعلامية منظّمة ضده، فالمشكلة لم تعد في كلام الرئيس، بل في الجهة التي تعتبر السيادة اللبنانية اعتداءً عليها.
إيران التي لم تتقبّل يوماً فكرة قيام دولة لبنانية مستقلة عن نفوذها، وجدت في مواقف الرئيس جوزاف عون تحدّياً مباشراً لمشروعها القائم على إبقاء لبنان ساحة مفتوحة لخدمة حساباتها الإقليمية.
لذلك لم يأتِ الهجوم من إحدى الصحف الإيرانية على الرئيس عون نتيجة خطأ ارتكبه أو موقف متسرّع اتخذه، بل لأنه قال ببساطة ما يفترض أن يكون بديهياً: قرار لبنان يُصنع في لبنان، ومصلحة اللبنانيين يحدّدها اللبنانيون لا مراكز القرار في طهران.
في السياق، أشار رئيس تحرير قناة LBCI جان الفغالي في حديث خاص لموقع LebTalks إلى أن "الهجوم على رئيس الجمهورية من قبل الجمهورية الإسلامية الإيرانية غير مفاجئ وغير مبرّر، لأن إيران تهاجم كل شخص يعتبر تدخلّها بالشأن اللبناني غير مسموح".
وتابع الفغالي: "منذ العام 1982 حتى اليوم إيران تتدخّل بالشؤون اللبنانية قولاً وفعلاً. هي تؤمن أموالاً، خائر وأسلحة لحزب الله".
أضاف: "ما قاله رئيس الجمهورية لشبكة CNN الأميركية عن أن لبنان يدير شأنه بنفسه، هو الذي دفع إيران لمهاجمة الرئيس عون. ولم يكتف هذا الهجوم من خلال شخصيات سياسية، بل تجاوز ذلك غلى وسائل الإعلام الإيرانية".
واعتبر أن "هذا يعني أن إيران لن تكفّ عن مهاجمة رئيس الجمهورية طالما جوزاف عون يعتبر أن القرار اللبناني يتخذ في لبنان وليس في طهران".
كما رأى أن "الرئيس عون سالك المسار الصحيح، لأنه يعتبر أن التفاوض هو الخيار الوحيد المتاح للبنان".
وشدّد الفغالي على أن "هذا يعني أن الحرب المندلعة في البلاد هي غير متكافئة، خصوصاً أن حزب الله هو الذي لبنان في هذه الحرب، إن كان إسناداً لغزة أو لإيران. أمّا الرئيس عون، فيرى أن صلحة لبنان هي بالتفاوض المباشر".
وقال إن "الجميع لاحظ إلى ماذا أدى مسار الحرب. في 2 آذار، كانت إسرائيل تتمركز في 5 نقاط استراتيجية. أمّا اليوم، فتسيطر على أكثر من 60 بلدة في الجنوب، لأن خيار الحرب لم يكن لمصلحة لبنان".
وأكّد أن "الهجوم الإيراني على الرئيس عون يجعل موقف لبنان في التفاوض موقفاً سياديّاً، ويشير إلى أنه لا يرضخ لأي تهديد ولأي ضغط".
وأشار إلى أن "لطالما رئيس الجمهورية يصرّ على المفاوضات، فهذا يعني أن لبنان لن يتأثّر بالحملات الإيرانية".
أضاف: "برأي لو الدولة عاجزة عن القرار، فما كانت اتخذت قرار المفاوضات. جرأة الدولة أنها اتخذت هذا القرار، أما تنفيذه فيأتي لاحقاً. العجز يكون حين لم تتخذ الدولة القرار".
أردف: "على عكس ذلك، يمارس حزب الله اليوم ما يُسمّى بفائق القوّة والاستقاواء ويدفع جيشه الإلكتروني إلى مهاجمة رئيسَي الجمهورية والحكومة، وهذا لا يثني الدولة حتى الساعة عن المفاوضات".
وشدّد على أن "هذا الهجوم اليوم، يعكس موقف ضعف لأن حزب الله لم يعد لديه سوى التغريدات. وأكبر دليل هي دعوته إلى المظاهرة منذ أسبوعين في بيروت، التي لم يتجاوز عدد المشاركين فيها 200 شخص".
وختم فغالي حديثه، بالقول: "يبدو أن حزب الله بدأ يفقد آخر أوراقه، ولا سيّما الورقة الشعبية لأنه لم يعد هناك بيئة حاضنة كافية لدعمه".
قد تكون أخطر رسالة حملها الهجوم الإيراني على رئيس الجمهورية أنه كشف عن ما يحاول كثيرون إنكاره منذ سنوات: المشكلة لم تكن يوماً في إسرائيل وحدها، بل أيضاً في مشروعٍ اعتبر أن لبنان ساحةً تابعة لا دولةً مستقلة، وشعباً مطلوباً منه أن يدفع أثمان حروب لا يقرّرها بنفسه، بسبب كما وصفها جان فغالي، هلوسات الممناعة.
حين يغضب المسؤولون والإعلاميون في طهران لأن الرئيس عون يقول إن القرار اللبناني يُتخذ في لبنان، فهذا ليس اتهاماً لإيران بقدر ما هو إدانة ذاتية لها. وحين يتحوّل الدفاع عن سيادة الدولة إلى "جريمة سياسية" بنظر محور الممانعة: من الذي يعتدي على السيادة فعلاً؟