"جريمة" دستورية تُحضَّر تحت قبّة البرلمان!

parlement

ساعات قليلة تفصل لبنان عن قرار قد يُتخذ تحت قبة البرلمان، قرار لا يمكن وصفه إلا بأنه اعتداء واضح على الدستور وعلى أبسط قواعد الحياة الديموقراطية.

الحديث عن التمديد لمجلس النواب لمدة سنتين لا يدخل في إطار المعالجات الاستثنائية أو الضرورات الوطنية، بل يطرح تساؤلات جدية حول مدى احترام الطبقة السياسية للدستور ولحق اللبنانيين في اختيار ممثليهم ضمن المهل المحددة.

في كل الأنظمة الديموقراطية، عندما تفرض الظروف القاهرة نفسها وتصبح الانتخابات متعذّرة في موعدها، يُصار إلى تمديد تقني محدود جداً، يمتد لأشهر قليلة فقط، بهدف تأمين الوقت اللازم لتنظيم الانتخابات وتفادي الفراغ الدستوري. أما ما يُطرح اليوم في لبنان فهو تمديد لسنتين كاملتين، أي ما يعادل نصف ولاية نيابية جديدة، وهو أمر يتجاوز بكثير مفهوم التمديد التقني ويتحوّل عملياً إلى التفاف على الاستحقاق الانتخابي.

التمديد بهذا الشكل لا يمكن تبريره بالظروف، لأن الظروف الاستثنائية لا تُعالج بتعليق الديموقراطية لفترة طويلة. وإذا كان الهدف فعلاً حماية الاستقرار أو منع الفراغ، فالحل يكون بتمديد تقني قصير ومحدد زمنياً، لا بقرار يمنح مجلساً نيابياً انتهت ولايته عملياً حق الاستمرار في السلطة لسنتين إضافيتين من دون العودة إلى الناس.

الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن التمديد المطروح اليوم يبدو أقرب إلى تلبية حاجات سياسية لدى بعض القوى التي لا ترغب في خوض الانتخابات في هذه المرحلة. فبدل الذهاب إلى صناديق الاقتراع وتجديد الشرعية الشعبية، يجري البحث عن مخرج يبقي التوازنات الحالية على حالها ويؤجل المواجهة مع الرأي العام.

المشكلة في هذا المسار لا تتوقف عند البعد السياسي فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى مسألة مبدئية تتعلق بجوهر النظام الدستوري في لبنان. فالمجلس النيابي يستمد شرعيته من الشعب، وهذه الشرعية محددة بمدة زمنية واضحة لا يجوز تجاوزها إلا في أضيق الحدود وبأقصر فترة ممكنة. وعندما يتحول التمديد إلى قرار طويل الأمد، فإن ذلك يفتح الباب أمام سابقة خطيرة تضرب مبدأ تداول السلطة وتفرغ الانتخابات من معناها.

لبنان الذي يعيش منذ سنوات أزمة ثقة عميقة بين المواطنين والسلطة السياسية، لا يحتمل خطوة إضافية تزيد من هذه الهوة. فاللبنانيون الذين يطالبون بالإصلاح وباستعادة دور المؤسسات لن يقبلوا بسهولة فكرة تمديد ولاية مجلس نيابي لسنتين كاملتين تحت أي ذريعة.

إن احترام الدستور لا يكون بالخطابات، بل بالالتزام الصارم بمواعيد الاستحقاقات الديموقراطية. وأي تمديد يتجاوز الإطار التقني الضيق سيتحوّل حكماً إلى قرار سياسي مرفوض، لأنه يعني ببساطة حرمان اللبنانيين من حقهم الطبيعي في اختيار ممثليهم ومحاسبة من يحكمهم.

لهذا السبب، فإن التمديد لسنتين لا يمكن اعتباره حلاً أو إجراءً اضطرارياً، بل خطوة خطيرة تضرب الدستور في جوهره. وإذا كان لا بد من معالجة ظرف استثنائي، فليكن ذلك ضمن إطار ضيق ومؤقت، لا عبر قرار يمنح الطبقة السياسية وقتاً إضافياً على حساب الديموقراطية وحق اللبنانيين في الانتخابات.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: