جنازة علي خامنئي… وحسابات دول المنطقة المتفرقة

ali

كتب جورج ابو صعب:

سجلت إلى الآن مشاركة بعض دول المنطقة في جنازة المرشد الاعلى السابق علي خامنئي والتي اعتبرت بمثابة رسائل ديبلوماسية و"لعبة شطرنج" سياسية تقيس مواقع القوى والمصالح الإقليمية انطلاقاً من مصالح كل دولة تجاه النظام الايراني.

فالحضور كما الغياب في الجنازة حمل رسائل سياسية وديبلوماسية عملية أكثر من كونه تعبيراً عن تأييد للنظام الايراني الذي فتك بأمن واستقرار المنطقة ودولها.

المملكة العربية السعودية ودولة قطر وسلطنة عُمان حضروا لأسباب واقعية وديبلوماسية، كفتح قنوات ومنع استفزازات النظام الايراني، وليس لتأييد سياسات هذا النظام. فدول كالمملكة  العربية السعودية ودول خليجية أخرى تتبنى سياسة صون المصالح الوطنية و"ديبلوماسية الواقعية" لتفادي انفجار إقليمي جديد.

لكن لا أحد يمكنه القول إن النظام الإيراني احترم متطلبات حسن الجوار الاقليمي خاصة مع كافة دول الخليج. فمفهوم "الجار" نقضت مبادئه من الجانب الايراني وتجاوزت غطرسته كل الخطوط الحمر.

فأثبت النظام في ايران مقولة أن القرب الجغرافي لا يعني بالضرورة تحالفاً أو نصرة دينية فلا تُستخدم كلمة "جار" للتبرير عندما يصبح هذا الجار خنجرًا في ظهر الأمم المجيرة خاصة عندما يحمل هذا الجار مشروعاً استعمارياً للمنطقة منذ الصفويين وصولاً الى  ولاية الفقيه. وهدف المشروع: تمدد الهلال الإيراني عبر دعم ميليشيات وفرض نفوذ على عواصم عربية ما أدى ويؤدي الى اختطاف قرارات دول وزعزعة سيادة وثروات عربية.

وإذا كانت إسرائيل تحتل أرضاً بالجند والمستوطنين والسلاح، فالنظام في ايران يخطف دولاً بالميليشيات والوكلاء الداخليين لتكون النتيجة العملية واحدة: دم عربي ينزف وثروات عربية مُستباحة ودول فاقدة لسيادتها.

من هنا يأتي مشهد جنازة المرشد السابق كلعبة شطرنج. فالجنازة لم تكن مجرد مراسم، بل مسرح سياسي لقياس موازين القوى وإرسال رسائل. والحضور يُقرأ كرسالة تحفظ ماء الوجه أو تمنع استثمار إيران للمشهد كانتصار حتى من الممكن اعتبار المشهد مقياساً: مَن يريد تهدئة اللعب ومَن يراهن للمواجهة.

حضرت اذاً وفود من السعودية، وقطر، وسلطنة عمان، وحضر ممثلون أوروبيون وروسيا، ومصر أرسلت وفداً برلمانياً (مجلس الشورى) لأن مصر من الدول الوسيطة مع ايران فمصر لم تُستهدف من إيران، فأرسلت وفداً من مجلس الشورى، ولعبت دور وساطة واتصال بالمخابرات وقادة الحرس الثوري كجزء من وساطة اقليمية فيما غابت عن الجنازة دولة الإمارات، والكويت، والبحرين، والأردن الذي بات جبهة مواجهة متقدمة للنظام الايراني وقد اعتبر الغياب الاردني الأكثر اتساقاً مع سياسته المواجهة للتمدد الإيراني وقد واجهت عمان  ضغوطاً أمنية وجيوسياسية خاصة من سوريا والعراق.

فإذا أردنا تفسير الحضور الخليجي بمكننا الحديث عن دبلوماسية واقعية للحفاظ على قنوات تواصل ومنع تصعيد إقليمي واستهداف مصالح الدول فيما تفسير غياب دول اقليمية اخرى على انه رسالة قوية رفضاً لشرعنة سياسات التوسع الإيرانية وعدم تبرئة النظام الايراني من الدماء التي سُفكت.

من هنا يمكن القول من وجهة نظر جيو سياسية ان الخليج الموحد في المعاناة والاهداف ليس موحداً في رؤية كيفية حماية مصالحه الحيوية وليس ذلك جهلًا باتخاذ القرار بل استمراراً لتقدير تهديدات والمصالح العليا لكل دولة فبعض الدول حضرَت كتكتيك موقت لتأمين نفسها وعدم التورط على جبهات جديدة.

مهما يكن من امر فإن الرئيس الاميركي دونالد ترامب اعطى إيران أسبوع كمهلة لجنازة الخامنئي وهو الذي قال إن طلقة واحدة كفيلة بالقضاء عليهم جميعاً كما نقل عنه. فيما اللغز الاكبر في تلك الجنازة بقي في غياب المرشد الجديد مجتبى خامنئي واحتمالاته.

فغياب مجتبى عن جنازة والده أثار تساؤلات حول أسبابها: مخاوف أمنية، وضع صحي، أو أسباب سياسية فالحقيقة لا تزال غير مؤكدة.

فانطلاقاً من مجمل التحليل اعلاه بمكن استخلاص بعض العبر ليس اقلها، أن السياسة ليست شعارات فالحضور او الغياب عن مثل هذه المناسبة يعكس موازين مصالح وطنية وقراءة للخطر والفرصة لدى كل دولة في ضوء مصالحها العليا.

كما أن تبرير مشاركة بعض الدول الاقليمية في الجنازة  بعبارة "جار" نسبي وبسيط أمام واقع سياسات توسعية تُخرّب سيادة دول وتستثمر في الميليشيات لزعزعة الامن الاقليمي واستقرار الشعوب.

لذا وباختصار فإن المشهد الاقليمي الذي تجلى في الجنازة كان مزيجاً من الرسائل الدبلوماسية وتكتيكات البقاء، ومحاولات لعدم منح النظام الإيراني شرعية إقليمية في وقت انتقالي وحساس ومصيري.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: