بعد انفجار الحديث عن مسار المفاوضات يوم أمس، عاد هذا الملف ليتصدّر المشهد اللبناني كعنوان أساسي للمرحلة المقبلة. فلبنان، الذي عاش عقوداً من الأزمات المتتالية، يجد نفسه اليوم أمام باب قد يفتح له نافذة لاستعادة قدر من السلام والاستقرار، لا بالضرورة من خلال تسوية شاملة، بل عبر اتفاق يضمن له أبسط حقوقه في الحفاظ على أراضيه وسيادته. والأهم في هذه المرحلة أن تتولى الدولة اللبنانية بنفسها خوض هذا التفاوض، بصفتها الجهة الشرعية الوحيدة القادرة على تمثيل لبنان وصون مصالحه.
في هذا السياق، أشار الدكتور حبيب الزغبي إلى أنه لا خسارة في المفاوضات، لأن من يملك أوراقاً أكثر في يده يصبح التفاوض أسهل بالنسبة له. وشدّد على أنه لا يمكن منذ الآن معرفة نتائج هذه المفاوضات، ما يفرض العمل الجاد لإنجاحها، معتبراً أن المكسب الأول الذي يجب التركيز عليه يتمثل في انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية ووقف هجماتها.
وأوضح في حديث لـLebTalks أن التفاوض تحت النار أصبح واقعاً مفروضاً، بعدما بادر "الحزب" إلى فتح المواجهة مع إسرائيل تحت عنوان مساندة إيران والثأر لدماء خامنئي، لافتاً إلى أن لبنان، بوصفه الطرف الأضعف، من الطبيعي أن يدخل المفاوضات من موقع ضعيف. في المقابل، أشار إلى أن إسرائيل تسعى إلى توسيع دائرة السلام مع جيرانها في إطار تعزيز الاتفاقيات الإبراهيمية، وأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يُبدي قدراً من التعاطف مع لبنان، وإن كانت الأولوية تبقى لإسرائيل.
أضاف أن مصلحة لبنان تقتضي الذهاب إلى هذه المفاوضات بهدف وقف الهجمات الإسرائيلية وانسحابها من الأراضي اللبنانية، بما يفتح الباب أمام استعادة الاستقرار والنمو والسلام. ولفت إلى أن أهمية هذه المفاوضات تتعزّز إذا تزامنت مع المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، معتبراً أنه من الصعب التوصل إلى حل في لبنان بمعزل عن مسار التفاهم بين الطرفين.
وأشار إلى أن الظرف الحالي يُعدّ مناسباً جداً للدخول في التفاوض، لكن من دون مقاربة تقوم على تحقيق "الربح" بالمعنى التقليدي، بل على أساس استعادة الحقوق، لأن ذلك يُعدّ المكسب الأهم في هذه المرحلة.
وفي ما يتعلق بإدارة المفاوضات، رأى أنه من الطبيعي أن يترأس الرئيس جوزاف عون الوفد اللبناني، أو أن يعيّن من ينوب عنه مع إشراف مباشر منه على مجريات التفاوض وصولاً إلى وضع اللمسات الأخيرة. وشدّد على أن رئيس الجمهورية والدولة اللبنانية هما الجهة الوحيدة المخوّلة التفاوض، وعلى ضرورة التزام الدولة بما يمكنها تنفيذه، والتحلي بالشجاعة لتنفيذ التزاماتها، تفادياً لتكرار ما حصل بعد قرارات 5 و7 آب من تلكؤ وعدم تنفيذ كامل.
وأكد الزغبي في حديث لموقعنا أن المرحلة الحالية دقيقة وخطرة ولا تحتمل المغامرات، ما يستدعي تغييراً في الأسلوب المعتمد، وعدم الخشية من أي تداعيات داخلية. واعتبر أن غالبية اللبنانيين باتت تريد حلاً، في مقابل أقلية لا تزال متمسكة بالسلاح، داعياً إلى طيّ صفحة هذا الملف، لأن السلاح لم يجلب للبنان سوى الأزمات والصراعات، مع الإقرار بالتفوق الإسرائيلي على قدرات "الحزب".
وشدّد على ضرورة أن يقف الجيش اللبناني صامداً لبسط سلطة الدولة، بما يضمن الذهاب إلى المفاوضات من موقع الدولة القادرة على فرض سيادتها.
وفي ما خصّ الوضع الداخلي، أشار إلى أن حزب الله قادر، إذا أراد، على تعطيل عمل الحكومة عبر شلّ البلد بالقوة، إلا أنه شدّد على أنه لا يجوز أن تفرض أقلية صغيرة إرادتها على الأكثرية اللبنانية، معتبراً أن هذا النهج استمر لثلاثة عقود نتيجة تقاعس المسؤولين الذين سمحوا بتضخم قوة مسلحة خارج إطار الدولة وسيطرتها على المؤسسات.
أضاف الزغبي أنه من الممكن أن يحاول "الحزب" إسقاط الحكومة لعرقلة مسار التفاوض، إلا أن ذلك لن يحقق نتيجة إذا توفرت إرادة لدى بقية القوى السياسية، بل سيؤدي إلى توسيع الهوة مع باقي المكونات اللبنانية، خصوصاً في ظل التداعيات التي خلّفتها حرب إسناد غزة والتطورات المرتبطة بإيران، والتي انعكست دماراً وأزمات على لبنان في ظل وضع اقتصادي هش.
وختم بالإشارة إلى أنه في حال شعور "الحزب" بالضغط، قد يلجأ إلى خطوات دراماتيكية لصرف الأنظار وعرقلة مسار استعادة الدولة لسيادتها وثقة الداخل والخارج، معرباً عن أمله في أن تبقى الدولة متماسكة وقادرة على الصمود، لأن ما تقوم به يصب في مصلحة الشعب اللبناني. وأكد أن على الأكثرية أن تفرض خيارها، خصوصاً أنها باتت تعلن بوضوح رفضها لسلاح حزب الله، مشدداً في الوقت نفسه على أن الحل في لبنان يبقى مرتبطاً بمسار المحادثات بين إيران والولايات المتحدة، مع احتمال الوصول إلى تسوية شاملة إذا قررت إيران معالجة أزماتها تحت الضغط.
فإيران اليوم تضع إنقاذ نفسها في المرتبة الأولى قبل أي اعتبار آخر، ما يجعل الساحة اللبنانية بالنسبة لها ساحة ثانوية لا أولوية فيها، خصوصاً في ظل التحولات الأخيرة التي أضعفت نفوذها الإقليمي. ومع تراجع قدراتها، وسقوط نظام بشار الأسد كركيزة أساسية في مشروعها، وجد حزب الله نفسه محاصراً أكثر من أي وقت مضى، سواء عسكرياً أو مالياً، ما انعكس مباشرة على موقعه ودوره في لبنان بالنسبة لإيران.
في هذا الواقع الجديد، لم يعد لبنان ورقة متقدمة في يد إيران كما كان في السابق، بل بات جزءاً من كلفة الأزمة التي تحاول طهران احتواءها. وهذا ما يفرض على اللبنانيين قراءة مختلفة للمرحلة، بعيداً من الحسابات القديمة التي كانت تقوم على توازنات إقليمية لم تعد قائمة بالشكل نفسه.
إما الذهاب إلى خيار واقعي، وهو التفاوض، يضع مصلحة لبنان شعباً ودولة فوق أي اعتبار، ويستفيد من اللحظة الإقليمية وآخر المستجدات على الأرض لتثبيت وجود دولة قادرة على فرض الاستقرار، أو البقاء رهينة حسابات خارجية لم تعد حتى الجهات التي ترعاها قادرة على تحمّل كلفتها. وفي لحظة كهذه، لم يعد النقاش سياسياً فقط، بل وجودياً للبنان حيث ينبغي على الدولة دعم الأكثرية الشعبية التي بدأت تتكوّن في الآونة الأخيرة، واتخاذ قرارات شجاعة من رجال دولة حقيقيين تحمي الكيان اللبناني وتثبت أنها قادرة على إدارة نفسها وحل مشاكلها لتأمين الاستقرار ومستقبل مزدهر لأبنائها.