حفروا بالركام بضمير حيّ.. الدفاع المدني يحرس ما تبقّى من حياة في طرابلس

WhatsApp Image 2026-02-09 at 5.43.20 PM

منذ ليل أمس، لم يكن انهيار المبنى السكني في طرابلس مجرّد حادث مأساوي عابر، بل تحوّل إلى امتحان قاسٍ للإنسانية، ولقدرة ما تبقى من مؤسسات الدولة على الوقوف إلى جانب الناس في لحظات الخطر. وفي قلب هذا الامتحان، برز الدفاع المدني اللبناني، حاضراً منذ اللحظة الأولى، يعمل بلا انقطاع، وبلا حساب للوقت أو للتعب.

مع حلول الليل، وبين الظلام والأنقاض، بدأ سباق قاسٍ مع الزمن. أصوات الاستغاثة، بكاء الأهالي، وقلق ينتشر في المكان، فيما كانت عناصر الدفاع المدني تنزل إلى عمق الركام، بحذر شديد، مدركة أنّ أي خطوة غير محسوبة قد تعني خسارة حياة إضافية. ساعات طويلة من العمل المتواصل، من البحث الدقيق، من رفع الحجارة قطعة قطعة، ومن مواجهة خطر الانهيارات الثانوية التي كانت تهدّد الجميع.

لم يكن المشهد سهلاً، لا إنسانياً ولا ميدانياً. غبار كثيف، روائح خانقة، تعب جسدي وإرهاق نفسي، ومشاهد قاسية تترك أثرها العميق في نفوس من يعيشها. ومع ذلك، لم تتوقف عناصر الدفاع المدني، ولم تغادر المكان، بل استمرت في مهمتها، لأنّ تحت الركام كانت هناك أسماء، عائلات، وأحلام معلّقة على أمل النجاة.

إلى جانب دورهم الإنقاذي، شكّلت عناصر الدفاع المدني ركناً أساسياً في دعم الأهالي نفسياً. كانت هناك لطمأنة المنتظرين، لمواساة المصدومين، وللوقوف إلى جانب العائلات في أصعب اللحظات، وتحوّلت إلى الواجهة الإنسانية الوحيدة للدولة، وإلى عنوان ثقة في لحظة فقد فيها الناس الأمان. فهذه المهمّة، بما تحمله من توعية وإرشاد ودعم نفسي، ليست تفصيلاً طارئاً، بل تشكّل أحد الأسس الجوهرية لوجود الدفاع المدني ودوره في المجتمع.

اللافت في هذا المشهد أن كل هذا الجهد الجبّار أُنجز رغم الإمكانات المحدودة، ورغم نقص التجهيزات والدعم المزمن الذي تعانيه هذه المؤسسة. فالدفاع المدني، الذي يُستدعى في كل كارثة وحادث ومأساة، يواصل أداء واجبه بإخلاص، متحمّلاً عبئاً يفوق قدراته، من دون أن يحظى بالتقدير الذي يليق بحجم المخاطر التي تواجهها عناصره يومياً.

في طرابلس، المدينة التي اعتادت أن تكون في طليعة المتضرّرين من الإهمال والتهميش، أعاد هذا المشهد التأكيد على حقيقة مؤلمة، حين تسقط المباني نتيجة التقصير، يبقى الدفاع المدني في الواجهة لرفع الركام ومعه غضب الناس وحزنهم. ومع ذلك، لم تسمح العناصر لليأس أن يتسلّل إلى عملها، بل استمرت، مدفوعة بإحساس عميق بالمسؤولية وبواجب إنقاذ الإنسان أولاً.

إنّ ما حصل منذ ليل أمس يجب ألّا يُقرأ فقط كمشهد إنقاذ، بل كرسالة واضحة. رسالة تقول إنّ الدفاع المدني ليس مجرّد جهاز طوارئ، بل مؤسسة إنسانية بامتياز، تستحق الدعم الجدي، والتجهيز الكامل، والحماية المعنوية والمادية لعناصرها، التي تضع حياتها في مواجهة الموت كلّما انهار مبنى أو اندلعت كارثة.

ويأتي هذا الأداء الميداني المنظّم والمتواصل تحت قيادة وإشراف المدير العام للدفاع المدني، العميد عماد خريش، الذي واكب العمليات منذ اللحظة الأولى، من خلال متابعة ميدانية مباشرة وتنسيق مستمر بين الفرق العاملة، واضعاً كل الإمكانات المتاحة في خدمة إنقاذ الأرواح. وقد شكّل هذا الإشراف عاملاً أساسياً في تنظيم الجهود، وتوزيع المهام، وضمان استمرارية العمل في ظروف بالغة الصعوبة، في ظل شحّ الموارد، وضغط الوقت، والمخاطر الميدانية التي رافقت عمليات البحث والإنقاذ.

أمام هذا الجهد الاستثنائي، يبقى الشكر أقلّ ما يمكن تقديمه. شكر لعناصر الدفاع المدني، التي لم تغادر موقع الانهيار منذ ليل أمس، والتي حفرت في الركام بضمير حيّ، وحملت وجع طرابلس في قلوبها، وأثبتت مرة جديدة أن الإنسانية لا تزال حاضرة، حتى في بلد ينهار.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: