في عالم تتصارع فيه الولاءات والقناعات، تصل بعض الأمهات إلى حد يفوق الخيال: الاستعداد لتقديم أغلى ما لديهن، أولادهن، تضحيةً بفداء قضية أو حزب.
بين غريزة الأمومة التي تحمي الحياة، والانتماء الذي يعلو على كل شيء، تنكشف هنا قصة صراع نفسي عميق، حيث يُختبر الإيمان، الولاء، وحدود التضحية، وتبرز أسئلة صادمة عن الثمن الحقيقي الذي يمكن أن تدفعه الأم في سبيل ما تعتبره أكبر من حياتها وحياة أطفالها.
في هذا السياق، أكدّت المعالجة النفسية سيلين أبي راشد أنّ الأمومة ترتبط بالحماية والرعاية والدافع الفطري لصون حياة الطفل، لكن في مجتمعات شكّلتها صراعات ممتدة أو تطرّف أيديولوجي أو صدمات جماعية، قد يُعاد تفسير التضحية لا كخسارة بل كفعل أخلاقي أو روحي. وتوضح أنّ فهم هذه القناعات يتطلّب درس التفاعل بين الأيديولوجيا وتشكّل الهوية والتعرّض للصدمات.
ولفتت إلى أنّ هذه الحالات لا تعبّر بالضرورة عن قسوة أو اللامبالاة، بل تشير التحليلات النفسية إلى انّها تنشأ غالبًا عن عمليات اجتماعية ومعرفية تعيد تشكيل مفاهيم الواجب والانتماء. وشددت على أنّ البيئات شديدة الاستقطاب تدفع الأفراد إلى تعريف أنفسهم من خلال انتمائهم لجماعات سياسية أو دينية أو وطنية.
وتشرح أبي راشد أنّ مفاهيم مثل الشهادة والشرف والمقاومة أو الجزاء الإلهي تساهم في إعادة صياغة تجربة الخسارة، ومع التعرّض المتكرر لهذه السرديات، يتغيّر معنى التضحية تدريجيًا ليُعاد تأطيرها كإسهام بطوليّ في قضية أكبر. وتؤكد أنّه ضمن هذا الإطار، قد تُفسَّر التضحيات الشخصية كأفعال ولاء أو واجب أخلاقي تجاه الجماعة.
وتبيّن أنّ هذه العملية تندرج ضمن ما يُعرف بإعادة البناء المعرفي، إذ يُعاد تفسير الواقع المؤلم ضمن إطار سردي يمنحه معنى أخلاقيًا. وتشدّد في المقابل على أنّ هذه الحالات لا تمثّل الغالبية، إذ يواصل معظم الأهالي إعطاء الأولوية لسلامة أطفالهم.
وقالت إنّ الاستعداد للتضحية بالطفل من أجل قضية أيديولوجية يبقى ظاهرة معقّدة، لا يمكن فهمها بمعزل عن سياقها الاجتماعي والسياسي والعاطفي. فعندما تتقاطع الهوية، والصدمة، والأيديولوجيا، وضغوط المجتمع، قد يُعاد تفسير التضحية ضمن أطر تمنح الخسارة معنى أو تُحوّلها إلى واجب.
في الختام، إلى متى ستبقى المجتمعات تدور في دوّامة الصراع، فيتحوّل مفهوم التضحية من ألمٍ إنساني إلى بطولة مفروضة؟ إلى متى ستُجبر أمّ على خسارة ولدها، وأخت على فقدان أخيها، وزوجة على وداع زوجها وأب أولادها؟ يبقى السؤال مفتوحًا، فيما يدفع الإنسان الثمن الأكبر.