في تصاعدٍ مقلق يمسّ جوهر الحياة السياسية في لبنان، تتكاثر الشهادات عن تعرّض ناشطين وناشطات معارضين لسياسات حزب الله لأساليب ضغطٍ تتجاوز حدود السجال الديموقراطي إلى مناخٍ من الترهيب المنظّم. فبمجرّد إعلان موقف سياسي ناقد، تبدأ حملات التخوين والتشهير، وتتدحرج الاتهامات إلى تهديدات مباشرة عبر الاتصالات والرسائل ووسائل التواصل، في محاولة واضحة لفرض سقفٍ قسري على حرية التعبير.
هذه الممارسات، وفق ما يؤكّد معارضون، لا تستهدف أشخاصًا بعينهم بقدر ما تستهدف فكرة الاعتراض نفسها. إذ يتحوّل الرأي المخالف إلى "تهمة"، ويُصوَّر النقد السياسي كخيانة أو تحريض، ما يخلق بيئة خانقة تدفع كثيرين إلى الرقابة الذاتية خوفًا من التعرّض للأذى المعنوي أو المعنوي والمادي.
وفي ظلّ واقعٍ سياسي وأمني بالغ الحساسية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: هل يُعاقَب اللبناني لأنه مارس حقّه في التعبير؟ وهل يُسمح لمنطق القوة أن يحلّ مكان منطق الدولة والقانون؟ إنّ أي محاولة لإسكات الأصوات المعارضة عبر التخويف تمثّل مساسًا مباشرًا بأسس النظام الديموقراطي، وتحوّل الاختلاف السياسي من حقّ مشروع إلى مخاطرة شخصية.

في السياق، أشارت الناشطة السياسية الدكتورة جوزفين زغيب في حديثٍ خاص لموقع LebTalks إلى أنّه من الغريب اعتبار منشورها الذي إعترضت فيه على زيارة السفير الايراني مجبى أماني الى المعيصرة اعتراضًا طائفيًا، في حين أنّه كان اعتراضًا سياسيًا على سفير إيراني مشارك في الحرب. وقالت إنّ السفير كان يحمل جهاز "بيجر"، ما يجعله أقرب إلى صفة أمنية، وبالتالي فإنّ وجود شخصية أمنية بهذا المستوى في لبنان، في ظلّ وضعٍ دقيق للغاية، يطرح علامات استفهام مشروعة.
أضافت أنّ الاعتراض كان على الزيارة وعلى التكريم الذي قامت به بلدية المعيصرة، متسائلةً كيف جرى تصوير الموقف على أنّه طائفي، في حين أنّها لم تذكر طائفة السفير، ولم تُشر إلى أنّ المنطقة تتبع لطائفة معيّنة. وأكدت أنّ كل من يعرفها يدرك أنّها لم تعتمد يومًا خطابًا طائفيًا.
وشدّدت على رفضها للطائفية بكل أشكالها، مشيرةً إلى أنّها، على مدى عشرين عامًا من العمل السياسي، لم تستخدم يومًا توصيفات طائفية للمناطق، ولم تقل إنّ كسروان شيعية أو مارونية أو سنية، ولم تعتبر يومًا أنّ منطقةً ما "تتبع" لطائفة أو لجهة معيّنة، لأنّ تقسيم الناس على أساس طائفي يتناقض مع قناعاتها ونهجها. وأوضحت أنّ المعيصرة تضمّ مواطنين من طوائف متعددة، من بينهم الماروني والشيعي، وهي منطقة جميلة بطبيعتها وأهلها الطيبين.
وأكّدت أنّ سقف الاعتراض كان سياسيًا بحتًا على الزيارة والتكريم، معتبرةً أنّ تحويل الموضوع إلى فرزٍ طائفي يعني أنّ هناك من يسعى إلى إثارة الفتن. وقالت إنّ التعليقات التي وردت على منشورها حملت طابعًا طائفيًا مخيفًا، يعيد إلى أزمنة الانقسامات التاريخية، في حين أنّ اعتراضها كان سياسيًا لا دينيًا ولا طائفيًا، ولم تقل يومًا إنّها، بصفتها مارونية، تعترض على زيارة شخص شيعي، ولن تسمح لنفسها أصلًا بالخوض في هذا المنطق، لأنها تنظر إلى الناس كمواطنين لا كطوائف.
وفي ما يتعلّق بالتهديدات، أكّدت أنّه لا يمكن لأحد إسكات الأصوات المعارضة، لأنّ حرية التعبير حقّ مكفول، ولا يمكن لأي جهة أن تُسكت الرأي الآخر إلى الأبد. لكنها أشارت إلى أنّ الضغوط والاتهامات والتهديدات تُستخدم أحيانًا لمحاولة ترهيب المعارضين، معتبرةً أنّ هذا الأسلوب يعكس فكرًا سلطويًا قديمًا يقوم على القمع والتسلّط، ويظنّ أصحابه أنّهم قادرون على إسكات الآخرين بهذه الوسائل.

أضافت أنّ المعركة اليوم هي دفاعًا عن الحريات وحق التعبير بأقصى حدوده، مؤكدةً أنّ أحدًا لن يتمكّن من وقف هذا المسار.
كما أعلنت عن أنّها تقدّمت بإخبار رسمي، وأنّه سيتمّ صباح يوم الاثنين تقديم الإخبار شخصيًا في بعبدا، ليُحال إلى مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية، بعدما جرى التواصل المسبق مع الجهات المعنية وإبلاغها بالأمر.
وأوضحت أنّ المحامية تتابع الملف، وأنّ الإخبار سيتضمّن الأرقام وكل التفاصيل المتعلقة بالتهديدات.
وختمت بالقول إنّ الجهة التي اعتادت السيطرة على مفاصل الدولة، عبر تجربة سابقة، اعتمدت تاريخيًا أساليب الترهيب والتهديد، سواء حين كانت قوية في السلطة أو ممسكة بقطاعات مختلفة.
واعتبرت أنّ هذا النهج مستمر اليوم، لأنه لو كان هناك إيمان فعلي بالدولة، لكان المسار مختلفًا، قائمًا على الحوار والوسائل السلمية والأخذ والعطاء.
وأكدت أنّها ستبقى منفتحة على الحوار مع أي طرف مختلف، شرط أن يكون الطرف الآخر مؤمنًا بالحوار، لا بمنطق الهجوم والاستقواء على الآخرين.
في المحصّلة، إنّ استمرار مناخ التهديد والترهيب لا يطال أفرادًا بعينهم، بل يصيب الحياة الديموقراطية في صميمها. فحين يُدفع المعارض إلى الصمت خوفًا، تُختزل السياسة إلى صوتٍ واحد، وتتحوّل الدولة إلى ساحة نفوذ بدل أن تكون مظلّة قانون تحمي الجميع.
إنّ حماية حرية الرأي لا تُقاس بمدى قبولنا بالرأي المتوافق معنا، بل بقدرتنا على صون حقّ المختلف في التعبير من دون خوف. وأي جهة، مهما كان حجمها أو نفوذها، لا يمكن أن تكون فوق الدستور أو خارج منطق المساءلة.
فلبنان الذي قام على التعدّد لا يُبنى بالترهيب، بل بالحوار، ولا يُحمى بالصمت القسري، بل بحريةٍ مسؤولة تحترم القانون وتصون كرامة الإنسان.
