لم يعد وجود فلول نظام الأسد في لبنان تفصيلاً عابراً أو ملفاً أمنياً هامشياً، بل تحوّل إلى خطر متنام يهدد الاستقرار الداخلي والسيادة اللبنانية. فبعد انهيار البنية العسكرية والأمنية للنظام السوري السابق في عدد من المناطق، تسللت مجموعات من ضباطه وعناصره، إلى جانب بقايا الميليشيات الإيرانية، إلى الأراضي اللبنانية مستفيدة من بيئات حاضنة وشبكات نفوذ قائمة.
هذا الوجود، المموّل بأموال منقولة من سوريا، لا يقتصر على لجوء سياسي أو أمني، بل يحمل في طياته قابلية للتحول إلى خلايا نائمة قادرة على التخريب وزعزعة الأمن، وإعادة توظيف لبنان كساحة خلفية لصراعات إقليمية، ما يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار خطير لقدرتها على الضبط والحماية ومنع انزلاق البلاد إلى مواجهة غير محسوبة النتائج.
في هذا السياق، يلفت الخبير العسكري يعرب صخر في حديث لموقع LebTalks إلى أن "خلال انقلاب الوضع على النظام السابق في سوريا، وبعد وصول العمليات العسكرية إلى مدينة حمص، كان من المتوقع اندلاع معركة مع جنود النظام السوري والميليشيات الإيرانية التي كانت لا تزال موجودة هناك، إلا أن ذلك لم يحصل، ولم تقع أي اشتباكات، بل تقدمت العمليات العسكرية باتجاه دمشق. وفي فترة قصيرة، انقلب المشهد من حال إلى حال، ونجحت العمليات العسكرية، لتدخل البلاد مرحلة جديدة، وبرز ما يمكن تسميته بـ"سوريا الجديدة".
ويشير صخر إلى أن "فلول نظام الأسد والميليشيات الإيرانية تبخرت من سوريا من دون أي اشتباك يُذكر، قسم منها اتجه نحو العراق، وقسم آخر إلى أماكن مختلفة، إلا أن الغالبية العظمى توجهت غرباً نحو لبنان".
ويشدد على أن "المناطق والبيئات الحاضنة الخاضعة لسيطرة حزب الله ومن يدور في فلكه شكّلت الملاذ الآمن للضباط السوريين بأعداد كبيرة، ومعهم مبالغ مالية ضخمة، إذ إن العمليات العسكرية التي جرت في بداياتها لم تترافق مع اعتقالات لضباط النظام، ولم يتم العثور على أموال، ما يعني أن هذه الأموال نُقلت مع الهاربين إلى الأراضي اللبنانية.
ويكون وجود هؤلاء بشكل أساسي في مناطق البقاع الشمالي، ولا سيما الهرمل وبعلبك، إضافة إلى الضاحية الجنوبية، حيث تتيح الأموال التي بحوزتهم القدرة على التغلغل في أماكن عدة داخل لبنان، وفي مناطق مختلفة".
ويحذّر صخر من تحوّل "فلول نظام الأسد وبقايا الميليشيات الإيرانية إلى خلايا نائمة، خصوصاً بعد الضربات التي أصابت الميليشيات الإيرانية في لبنان، ومع انهيار حضور فلول الأسد في سوريا، باتت هذه المجموعات تنتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على الواقع القائم.
وخلال الفترة الممتدة من نحو عام حتى اليوم، سُجل ما يقارب ست محاولات تحرك على الساحل السوري، وفي الجنوب السوري، ومناطق أخرى، بدعم وتغذية مباشرة من هذه الميليشيات الموجودة داخل لبنان".
ويؤكد أن "وجود هذه المجموعات في لبنان يشكّل خطراً بالغاً، في وقت لا تزال فيه السلطة اللبنانية ضعيفة في التعامل مع هذا الملف. وبالتالي، فإن على السلطة اللبنانية الجديدة أن تنسق بشكل جدّي وفعّال مع السلطة السورية الجديدة لاحتواء هذا الوضع ومنع تفاقمه.
ففي المستقبل القريب، يبدو أنه في حال نجحت هذه الفلول والخلايا النائمة في تنفيذ تحركاتها انطلاقاً من لبنان باتجاه سوريا، فإن المسؤولية ستقع على عاتق السلطة اللبنانية، التي قد تُتهم من الجانب السوري بالضعف في الأداء وعدم القدرة على حصر نفوذ هذه الجماعات وضبط تحركاتها".
وفي هذا السياق، يقول صخر: "لا يزال الطرف الممانع، بقيادة حزب الله، يتحكم بمسار الدولة اللبنانية، وهو أمر بات معروفاً، إذ أصبح متغلغلاً في مختلف مفاصل السلطة، ومؤثراً بشكل مباشر في قرارات السلطة التنفيذية.
ويُلاحظ أن رئاسة الجمهورية تبدو متناغمة مع هذا الواقع، على عكس رئيس الحكومة الذي يسعى إلى تنفيذ القرارات، ويبرز ذلك بوضوح في ملف حصر السلاح، حيث يظهر رئيس الحكومة بموقف صارم ومتشدد، مقابل ليونة في مواقف رئيس الجمهورية".
في هذا الإطار، تفيد مصادر متابعة بأن التطورات المتسارعة في الإقليم تفرض إعادة قراءة دقيقة لمجمل الوقائع الأمنية والسياسية القائمة، بعيداً من الانطباعات أو التقديرات السطحية.
وتؤكد هذه المصادر أن المرحلة المقبلة ستكون حافلة بتحديات معقدة، تتداخل فيها الحسابات المحلية مع المعادلات الإقليمية والدولية، ما يستوجب مقاربة مختلفة وأكثر حذراً في التعاطي مع الملفات الحساسة.
وتشدد المصادر على أن أي تأخير في المعالجة أو سوء تقدير في الخيارات قد يفتح الباب أمام تداعيات يصعب احتواؤها لاحقاً، في ظل واقع إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة وغير مستقرة.
فالتقارير الدولية، إلى جانب معطيات صادرة عن جهات أممية وأمنية، تؤكد وجود شبكات مرتبطة بالنظام السابق داخل الأراضي اللبنانية، بعضها يتمتع بقدرات مالية وتنظيمية عابرة للحدود. هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية أمام مسؤولية مباشرة، ليس فقط تجاه أمنها الداخلي، بل أيضاً تجاه علاقتها مع سوريا الجديدة والمجتمع الدولي. وأي تقاعس في التعامل مع هذه المعطيات المثبتة بالتقارير سيُقرأ كعجز عن ضبط الأرض والقرار، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية وأمنية متزايدة، ويحوّل لبنان مجدداً إلى نقطة اشتباك في صراع لم يعد يحتمل مناطق رمادية.