لطالما عاش لبنان في ظلال التحولات السورية، لا سيما منذ اندلاع الحرب في سوريا العام 2011، لكن العلاقة بين البلدين لا يمكن اختصارها بعقدٍ واحد أو أزمة واحدة. هي علاقة تعود جذورها إلى ما قبل الاستقلال، إلى تشابك الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد، وإلى لحظة رسم الحدود بعد الانتداب الفرنسي التي لم تُلغِ يوماً الترابط البنيوي بين البلدين.
منذ خمسينيات القرن الماضي، شهد لبنان وسوريا مراحل تقارب وتوتر متعاقبة، وفي الستينيات والسبعينيات تداخلت الملفات الأمنية والسياسية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية العام 1975 دخلت القوات السورية إلى لبنان العام 1976 تحت عنوان "قوات الردع العربية". لكن هذا الدخول، الذي قُدّم رسمياً كخطوة لضبط الصراع، تحوّل عملياً إلى وجود عسكري مباشر طويل الأمد، كرّس وصاية سياسية وأمنية شاملة على القرار اللبناني، وأصبح على نطاق واسع يُعتبر احتلالاً فعلياً للقرار الوطني.
على مدى ثلاثة عقود، لم يكن الدور السوري في لبنان غير مباشر أو عبر وسطاء فحسب، بل تجلّى في الانتشار العسكري الواسع، والإمساك بالمفاصل الأمنية، والتأثير الحاسم في تشكيل الحكومات، وصوغ التحالفات، وإدارة الاستحقاقات الدستورية. استمر هذا الوجود حتى العام 2005، حين شكّل اغتيال الرئيس رفيق الحريري نقطة تحوّل مفصلية، أعقبتها ضغوط داخلية وخارجية أدت إلى انسحاب الجيش السوري، إلا أن الانسحاب العسكري لم يُنهِ بالكامل تشابك النفوذ أو تأثير التحالفات التي ترسّخت خلال سنوات الوصاية.
خلال تلك العقود، أثبتت التجربة أن لبنان، بحكم بنيته الطائفية الهشة وتوازناته الدقيقة، يتأثر سريعاً بأي تغير إقليمي. وكان الفراغ المؤسسي، سواء على المستوى الأمني أو الإداري، دائماً مدخلاً لتوسّع نفوذ قوى خارجية، سواء عبر أدوات سياسية، اقتصادية، أمنية، أو اجتماعية. وفي الحالة السورية تحديداً، لم يقتصر التدخل على الوجود العسكري، بل اقترن أيضاً بشبكات سياسية وأمنية واقتصادية عمّقت الارتهان المتبادل وغير المتكافئ بين البلدين.
بعد 2011، عاد التشابك اللبناني – السوري إلى الواجهة بصيغة مختلفة، عبر ملف النزوح السوري، والتهريب الحدودي، وتداخل المصالح الأمنية. ومع الانهيار الاقتصادي اللبناني بعد 2019، ازدادت هشاشة الداخل، وتراجعت قدرة الدولة على ضبط الحدود ومراقبة التمويل ومتابعة المبادرات الخارجية.
ما يحدث اليوم في طرابلس لا يمكن قراءته كحادثة معزولة أو مشهد محلي عابر. ففي ظل أزمة اقتصادية خانقة وتراجع الثقة بالدولة، تصبح المجتمعات المحلية أكثر قابلية للتأثر بأي خطاب تعبوي أو دعم خارجي موجّه، ولا سيما المجتمعات التي تعاني هشاشة تمثيلية وقيادية. في هذا السياق، تبدو بعض البيئات السنية تحديداً أمام أزمة تمثيل واضحة منذ العام 2005، ومع تراجع الدور القيادي الذي كان يجسّده الرئيس رفيق الحريري وبعده نجله سعد، غاب الخطاب الوطني المعتدل، تاركاً فراغاً انعكس تشتّتاً في القرار وتعدّد مرجعيات، ما جعل هذه البيئات أكثر عرضة للتجاذبات الخارجية أو محاولات الاستثمار السياسي.
وحين تغيب القيادة المحلية القادرة على الاحتواء والتنظيم والتعبير السياسي المتوازن، تصبح الساحة أكثر قابلية لاختراقات خارجية، سواء عبر أدوات اجتماعية أو إنسانية أو دينية – عقائدية. وهنا تكمن الخطورة، ليس في الانتماء الطائفي بحد ذاته، بل في هشاشة البنية القيادية التي تضبط الإيقاع وتحول دون الانزلاق نحو الاستقطاب الحاد.
التاريخ اللبناني حافل بأمثلة تحوّلت فيها الانقسامات الفكرية والاجتماعية إلى صراعات فعلية، من اشتباكات المدن في السبعينيات والثمانينيات، إلى جولات العنف المتقطعة في الشمال بعد العام 2008. وفي كل مرة، كان ضعف الدولة والهشاشة المحلية عاملاً حاسماً في تفاقم الأزمات، وكان التدخل الخارجي، المباشر أو غير المباشر، يجد في هذا الضعف أرضية خصبة للتمدد.
لبنان اليوم يقف عند تقاطع هشّ بين التاريخ والجغرافيا، التجربة الممتدة لعقود تقول بوضوح إن التدخل السوري لم يكن تفصيلاً عابراً في تاريخه الحديث، بل مرحلة طويلة اتّسمت بوجود عسكري مباشر وبتقييد واضح للسيادة، ووصل في نظر شريحة واسعة من اللبنانيين إلى حدّ الاحتلال. واستعادة هذه التجربة ليست لإحياء الاصطفافات، بل للتذكير بأن الفراغ لا يبقى فراغاً، وأن المساعدات الخارجية ليست دائماً محايدة، بل قد تتحوّل إلى أدوات نفوذ حين تغيب الدولة، وأن حماية الاستقرار تبدأ بتثبيت سيادة الدولة فعلياً، وببناء مرجعيات سياسية جامعة قادرة على احتضان مجتمعاتها قبل أن تسبقها القوى الأخرى إليها.
إدراك هذا المسار التاريخي ليس دعوة إلى القطيعة، بل إلى اليقظة. فحماية الاستقرار لا تبدأ بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قادرة على الرقابة، وإدارة الحدود، واحتضان المجتمع قبل أن تسبقه القوى الأخرى إليه.