أرجأت مجموعة العمل المالي الدولية (FATF) حسم مصير لبنان إلى اجتماعها المقبل في تشرين الأول، بعدما امتنعت عن اتخاذ قرار نهائي بشأن الإبقاء عليه على اللائحة الرمادية أو نقله إلى اللائحة السوداء.
ورغم غياب أي تبرير رسمي للتأجيل، تشير المعطيات إلى أن المجموعة منحت السلطات اللبنانية مهلة إضافية لاستكمال الإصلاحات التي تعهدت بها، في ظل الظروف الأمنية والسياسية التي شهدها البلد خلال الأشهر الماضية.
وتتمحور هذه الإصلاحات حول إقرار قانون معالجة الفجوة المالية، وإعادة النظر في قانون إصلاح القطاع المصرفي بما يتوافق مع ملاحظات صندوق النقد الدولي، إلى جانب تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والحد من توسع الاقتصاد النقدي الذي بات يشكل أكثر من 60% من النشاط الاقتصادي.
ومنذ إدراج لبنان على اللائحة الرمادية في تشرين الأول 2024، ساد اعتقاد بأن القرار يعكس فشل القطاع المصرفي. إلا أن مضمون ملاحظات مجموعة العمل المالي يرسم صورة مختلفة، إذ يركز على فعالية الدولة اللبنانية في تطبيق منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أكثر مما يحمّل المصارف مسؤولية الإخفاق.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الإقتصادي باتريك مارديني أن معظم الملاحظات استهدفت المؤسسات القضائية والرقابية والأمنية والتشريعية، لا المصارف التجارية.
ويشير مارديني رداً على سؤال لموقع LebTalks إلى أن التقييم ركز على ضعف الملاحقات القضائية، ومحدودية استرداد الأصول، والقصور في تحديد المستفيدين الحقيقيين من الشركات، إضافة إلى اتساع الاقتصاد النقدي وضعف الرقابة على الأنشطة التي تعمل خارج النظام المالي الرسمي.
وبالنسبة للمصارف يعتبر مارديني أن المصارف اللبنانية لا تزال تخضع لرقابة مصرف لبنان وهيئة التحقيق الخاصة ولجنة الرقابة على المصارف، وتطبق متطلبات الامتثال وإجراءات "اعرف عميلك"، إلا أن انتقال جزء كبير من النشاط الاقتصادي إلى التداول النقدي المباشر حدّ من فعالية هذه الإجراءات، بعدما أصبحت مليارات الدولارات تتداول خارج القنوات المصرفية.
ومن أبرز مطالب مجموعة العمل المالي، يبقى الحد من الإقتصاد النقدي، إذ يوضح مارديني أن الاعتماد الواسع على "الكاش" يشكل بيئة خصبة لغسل الأموال والتهرب من الرقابة.
وفي المقابل، اتخذ مصرف لبنان خلال الفترة الأخيرة إجراءات لتشجيع وسائل الدفع الإلكترونية وتشديد الرقابة على شركات تحويل الأموال والصرافين، إلا أن نجاح هذه الخطوات يبقى مرتبطاً بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات قضائية وتشريعية وإدارية فعلية.
فهل سيتمكن لبنان من الحفاظ على وضعه الحالي تمهيداً للخروج من اللائحة الرمادية، أو سيواجه تصنيفاً أكثر تشدداً في تشرين الأول المقبل.