سابقة قضائية تهدد الإعلام… هل عاد السجن إلى قضايا النشر؟

press

ليست القضية اليوم ما إذا كان الصحافي رامي نعيم مصيباً أو مخطئاً في ما نشره. فالأشخاص يتبدّلون، والآراء تتباين، أما المبادئ القانونية فتقاس بقدرتها على الصمود بعيداً من الأسماء والاصطفافات.

من هنا، لا تكمن خطورة الحكم الصادر بحق نعيم في هوية المحكوم عليه، بل في طبيعة العقوبة نفسها. فالحكم أعاد إلى الواجهة عقوبة السجن في قضية مرتبطة بالنشر والتعبير، في وقت استقر فيه الاجتهاد القضائي اللبناني، على مدى أكثر من عشرين عاماً، على الابتعاد من العقوبات السالبة للحرية في قضايا المطبوعات والإعلام، واستبدالها بالغرامات المالية أو التعويضات المدنية عند ثبوت الضرر.

هذا المسار القضائي لم يكن مجرد تفصيل تقني أو خيار إجرائي، بل جاء نتيجة تطور طويل في النظرة إلى حرية التعبير، وإدراك متزايد بأن معاقبة الصحافي أو الكاتب أو الإعلامي بالسجن لا تحمي المجتمع ولا تعالج الضرر المزعوم، بل تخلق مناخاً من الخوف والرقابة الذاتية ينعكس على مجمل العمل الإعلامي. ولذلك، اتجهت غالبية الأنظمة الديموقراطية الحديثة إلى الحد من اللجوء إلى العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر، باعتبارها من أكثر العقوبات مساساً بحرية التعبير.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا صدر الحكم بحق نعيم، بل لماذا تم التخلي عن نهج قضائي استمر لعقود؟ وما الذي تبدّل قانونياً حتى تعود عقوبة السجن إلى الواجهة بعد سنوات طويلة من استبعادها عملياً؟ ولماذا يُلاحق نعيم وغيره في ملفات قديمة الآن، بينما غيرهم يتجاوز الاخلاق الصحافية ليطال الشخصيات الرئيسة في البلد بالشتائم والتهديدات ولا يزال يسرح ويمرح من دون اي رقابة.

فاستقرار الاجتهاد القضائي يشكل أحد أهم عناصر الثقة بالقضاء، وعندما تُبنى الأحكام على مسار واضح ومتجانس، يصبح بإمكان المواطنين والصحافيين والمؤسسات الإعلامية معرفة حدود القانون ومساحات الحماية التي يكفلها.

أما عندما يصدر حكم يناقض اتجاهاً قضائياً راسخاً، فإن النقاش يتجاوز حدود الملف الفردي ليتحول إلى نقاش حول مستقبل الحريات العامة نفسها.

الأخطر أن هذا الحكم لا يقف عند حدود قضية واحدة، فكل سابقة قضائية تفتح الباب أمام سوابق أخرى. وإذا أصبحت عقوبة السجن خياراً مطروحاً مجدداً في قضايا النشر، فإن أي صحافي أو إعلامي أو ناشط أو صاحب رأي قد يجد نفسه مستقبلاً أمام الخطر نفسه. وعندها لا يعود السؤال مرتبطاً بصحة معلومة أو خطأ رأي، بل بقدرة الإعلام على القيام بدوره الرقابي في كشف الحقائق ومحاسبة أصحاب النفوذ من دون الخوف من فقدان الحرية الشخصية.

لا أحد يطالب بإعفاء الصحافيين من المسؤولية. فحرية التعبير ليست حصانة مطلقة، والخطأ المهني يجب أن يُحاسب عليه وفق القانون، لكن الفارق كبير بين المحاسبة وبين تحويل السجن إلى أداة في قضايا الرأي والنشر.

لهذا السبب، فإن القضية تتجاوز رامي نعيم نفسه، إنها قضية مبدأ قبل أن تكون قضية شخص، وقضية اجتهاد قضائي قبل أن تكون قضية حكم فردي. وإذا كان لبنان قد نجح طوال السنوات الماضية في تكريس نهج قضائي يحمي الصحافيين من السجن ويصون حرية التعبير، فإن العودة اليوم إلى العقوبات السالبة للحرية تمثل خطوة إلى الوراء، لا تمس الإعلاميين وحدهم، بل تمس صورة الدولة القانونية نفسها.

المصدر:  

لمتابعة الأخبار والأحداث عبر مجموعاتنا على واتساب: