في زمن تتآكل فيه ثقة اللبنانيين بمؤسسات الدولة، ويشعر كثيرون بأن العدالة باتت انتقائية أو خاضعة لموازين النفوذ والواسطة، يبرز اسم النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر كأحد الوجوه القضائية التي ارتبط حضورها بصورة مختلفة داخل الرأي العام، قائمة على الحزم، والانضباط، والابتعاد من الاستعراض، مقابل التركيز على جوهر المعركة الحقيقية: إعادة الاعتبار لفكرة الدولة نفسها.
ففي مكتب القاضي سامي صادر، لا تُقاس الملفات بأسماء أصحابها، ولا تُفرَز القضايا وفق انتماءات سياسية أو مالية أو حزبية، بل وفق معيار واحد: القانون. ومن هنا، اكتسب حضوره القضائي خصوصية لافتة في مرحلة يعيش فيها اللبنانيون واحدة من أخطر أزماتهم، حيث لم تعد معركة الناس فقط مع الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً مع شعور متراكم بأن الفساد تمدّد داخل الإدارات والمؤسسات حتى بات جزءاً من الحياة اليومية.
منذ تولّيه مسؤولياته، خاض صادر مواجهات قضائية مع ملفات شائكة وحساسة، واضعاً نفسه في قلب معركة مكافحة الفساد، لا من باب الشعارات، بل عبر مقاربة تقوم على الملاحقة والمتابعة وعدم التساهل مع أي محاولة لاستغلال السلطة أو التلاعب بحقوق المواطنين. وفي وقت اعتاد فيه اللبنانيون على رؤية الكثير من الملفات تُفتح إعلامياً ثم تُطوى سياسياً، شكّل حضوره نموذجاً مختلفاً لقاضٍ يسعى إلى تثبيت صورة القضاء كسلطة فعلية لا كواجهة شكلية.
وفي واحدة من أصعب مراحل الحرب والدمار، بقيت النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان حاضرة على كتف الضاحية، على تماس مباشر مع الناس، حيث استمر العمل القضائي والخدماتي بجهوزية ضمن آلية وضعتها النيابة العامة، ولا سيما صادر، ولم تتوقّف رغم الظروف الأمنية والضغوط الكبيرة. وفي وقت شهدت فيه مؤسسات كثيرة حالة انكفاء أو شلل خلال الحرب، حافظت النيابة العامة الاستئنافية بإشراف القاضي سامي صادر على حضورها، في رسالة واضحة بأن الدولة لا يمكن أن تغيب في أصعب اللحظات، وأن العدالة لا تُعلَّق حتى في زمن الحرب.
ولعلّ ما يميّز مسار القاضي سامي صادر ليس فقط تعاطيه مع الملفات، بل أيضاً الرسالة التي يحاول تكريسها داخل البيئة القضائية نفسها، أن القاضي لا يمكن أن يكون موظفاً عادياً داخل الدولة، بل حارساً لفكرة العدالة، ومسؤولاً عن حماية المجتمع من ثقافة الإفلات من العقاب التي ساهمت لعقود في ضرب هيبة المؤسسات وإضعاف ثقة الناس بالقانون.
في لبنان اليوم، لا تبدو معركة مكافحة الفساد تقنية أو إدارية فقط، بل معركة وجودية مرتبطة بمصير الدولة نفسها. فحين يشعر المواطن أن القانون يُطبّق على الجميع بلا استثناء، تستعيد الدولة جزءاً من شرعيتها المفقودة. أما حين تصبح العدالة خاضعة للتسويات أو التدخلات، يتحوّل الانهيار إلى مسار دائم لا يقتصر على الاقتصاد، بل يطال مفهوم الدولة بالكامل.
ومن هنا، يكتسب دور قضاة مثل سامي صادر أهمية مضاعفة، لأنهم لا يخوضون فقط مواجهة مع ملفات فساد، بل مع ثقافة كاملة بُنيت على المحسوبيات والحمايات السياسية وتداخل النفوذ بالسلطة القضائية والإدارية. وهي معركة ليست سهلة في بلد تُحاصَر فيه المؤسسات بالضغوط من كل الجهات، ويُدفَع فيه كثيرون نحو التسويات بدل المواجهة.
ورغم كل التعقيدات، يبقى الرهان الأساسي على قضاء قادر على إعادة رسم الحدود بين الدولة والفوضى، بين القانون والاستنسابية، وبين العدالة والصفقات. وفي هذا السياق، يبرز القاضي سامي صادر كأحد الأسماء التي تحاول تثبيت هذا الخط، انطلاقاً من قناعة واضحة بأن إنقاذ لبنان لا يبدأ فقط بالإصلاح السياسي أو المالي، بل أولاً بإعادة بناء الثقة بالقضاء، لأن العدالة ليست تفصيلاً داخل الدول بل أساس بقائها.