يشهد الشرق الأوسط اليوم لحظة فارقة لم يعرف لها مثيل منذ عقود. اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي لا يُعدّ مجرد حدث عابر أو عملية استخباراتية محدودة، بل هو سقوط رأس أحد أكثر الأنظمة دموية وقمعاً في التاريخ الحديث.
هذا النظام حكم بالحديد والنار، أسس سلطته على القتل والتعذيب والترهيب، دمّر شعوباً، وحوّل الحروب بالوكالة إلى ساحة يومية للهيمنة الإقليمية، وفرض إرادته بالقوة على الداخل والخارج بلا رحمة أو قانون.
لقد أمعن في قمع المعارضة، أشعل الحروب في دول الجوار، وخلق شبكة من الميليشيات المسلحة التي امتدت عبر الشرق الأوسط لتصبح أداة ابتزاز سياسي وتدخل مباشر في شؤون الدول الأخرى. عقود من المذابح والانتهاكات والحروب بالوكالة انتهت لحظة سقوط الرأس، وبدا واضحاً أن حكمه لم يعد قابلاً للاستمرار.
مع سقوطه، يفتح الفراغ القيادي في إيران الباب لصراعات محتملة داخل النخبة الحاكمة، بينما ستشعر المنطقة بأسرها بارتدادات مباشرة على المحاور السياسية والعسكرية التي امتدت لعقود. مسألة سقوط النظام بأكمله لم تعد احتمالاً، بل أصبحت مسألة أيام قليلة، مع توقعات بانهيار كامل في مؤسسات النظام وهيكله القمعي، ما يهيئ الشرق الأوسط لدخول مرحلة جديدة من إعادة رسم خرائط النفوذ والسياسة.
في هذا الإطار، لفتت مصادر ديبلوماسية أميركية رفيعة المستوى، في حديث لموقع LebTalks، إلى أن "القرار بإسقاط النظام الإيراني وحرس الثورة وتدمير القدرات العسكرية واغتيال خامنئي كان قد اتُّخذ، وكانت المسألة مسألة وقت فقط".
وشدّدت المصادر على "تكسير أجنحة النظام إلى أن يتمّ إضعافه والقضاء عليه نهائيًا، والهدف اغتيال القادة كافةً لكي يهتزّ النظام وتُفرَّغ السلطة من قياداته، ويُفسَح المجال أمام الشعب للنهوض وإبراز قادة المعارضة لتولّي زمام الأمور في المرحلة الانتقالية. فلن تكون إيران كما كانت بعد اليوم. مفاجآت كثيرة ستتكشّف، وكل ما نؤكد عليه أن النظام أصبح في نهاياته، بعدما تحمّل الناس مماليكه وغطرستهم وبطشهم ومجازرهم. فليتحمّل ما تبقّى في الأشهر المقبلة".
وكشفت عن أن "بعد أيام سيُعلن ترامب النصر ويبدأ بوضع شروط الاستسلام والتحضير لقيادة جديدة، هذا أمر متوقّع. الهدف هو القضاء على الرأس، والذي تم تحقيقه أمس، يليه القضاء على من خلفه أوهام وإعلام استخباراتي في حقل المعركة".
وتابعت المصادر: "لبنان سيتنفّس الصعداء قريبًا، ولكن بعد المرور ببعض الصعوبات داخلياً. ومع غياب الدعم الإيراني، نأمل أن يضبط حلفاء إيران في لبنان أعصابهم وألّا يُقدِموا على خطوة مساندة طهران كما فعلوا في مساندة غزّة. فالواجب الوطني والحكمة يحتّمان عليهم الابتعاد عن الانجرار إلى هذه الحرب المدمّرة، لأنّ لبنان لم يعد يحتمل أو يتحمّل إقحامه في دوّامة صراع الأمم في الشرق الأوسط"، آملةً "ألّا يُقدم حزب الله على هذه الخطوة، لأنّه عند ذلك ستكون مصيبة ودمار شامل للبنية التحتية المهمّة في لبنان".
وأشارت المصادر إلى أن "الخطر الأكبر، الذي سيبرز قريبًا، يبقى احتمال تدخّل النظام الإخواني السوري في لبنان، لأن البعض، وهم كُثُر في البيئة السنيّة، يعمل على تكفير كل ما هو غير مسلم سنّي أو علماني. التضامن الداخلي ووحدة الصوت المسيحي مطلوبة أكثر من أيّ وقت مضى"، مشددةً على أنّ "التحدّي الآن في لبنان هو سوريا، بالإضافة إلى كيفيّة دمج جماعة نعيم قاسم ضمن المنظومة السياسية الديموقراطية، ووفق الميثاق اللبناني واتفاق الطائف".
وختمت المصادر: "من المرجّح أن تتأجّل الانتخابات، لأن الشيعة المستقلّين لن يرضوا بإجرائها، وسوف نرى انشقاقات جديدة ضمن البيئة الشيعية والثنائي، وقد يُدعى إلى العودة إلى حضن الدولة. وقبل الانتخابات قد يحدث تطوّر كبير في منظومة حزب الله، وربّما يكون هناك انقلاب كبير في القيادة، أو تذهب إلى حلّ نفسها للتهرّب من الملاحقة".
ما بعد خامنئي ليس مجرد نهاية رجل، بل نهاية حقبة كاملة من القمع والقتل والإرهاب الذي امتد لعقود، وفرض نفوذاً إرهابياً على المنطقة بأكملها.
إيران اليوم تواجه انهياراً داخلياً غير مسبوق، وفراغاً قيادياً قد يهزّ كل المحاور السياسية والعسكرية، ويترك شعوبها أمام صراع محتمل على السلطة، بين الحرس الثوري والنخبة الدينية والسياسية.
لبنان وسوريا واليمن والعراق سيشعرون بارتدادات هذا الانهيار فوراً، وسط صراعات داخلية وانقسامات لم يسبق لها مثيل. المواجهات على الأرض بين ميليشيات إيران وحلفائها المحليين قد تتصاعد، فيما يجد هؤلاء أنفسهم أمام واقع بلا مظلّة إقليمية واضحة.
كل محور إقليمي سيكون أمام امتحان جديد لإعادة ترتيب نفسه والتحرك ضمن توازنات جديدة، بينما تتبدّل قواعد اللعبة بالكامل.
النظام الذي قتل وعذب وخنق شعوب المنطقة أصبح صفحة من الماضي. شرق الأوسط على أعتاب مرحلة جديدة، حيث تُكتب فيها قواعد القوة والنفوذ، ويُعاد رسم خرائط السياسة بلا رحمة، وبكل وضوح.
الأيام المقبلة لن تكون مجرد متابعة للأحداث، بل بداية إعادة تشكيل المشهد الإقليمي، مع صراعات محتملة، تحولات مفاجئة، وفرص غير مسبوقة للدول والشعوب التي طالما حملت عبء الصراعات والإرهاب في المنطقة.