كتب عبد الفتاح خطاب:
طوّر حزب الله، على مدى سنوات، شبكة متشعبة ومعقدة من الأنفاق تحت الأرض في جنوب لبنان، ويُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها إحدى الركائز الأساسية في قدراته العسكرية. وتشير تقارير عسكرية وصور ووثائق نشرها الحزب نفسه، إضافة إلى تقديرات إسرائيلية، إلى أن بعض هذه الأنفاق مجهزة بأنظمة كهرباء، واتصالات، ومخارج طوارئ، ومخزونات لوجستية، مما يتيح لمقاتليه الاستمرار لفترات طويلة تحت القصف أو الحصار.
تصنيفات الأنفاق: بين الهجوم والاستراتيجية
وتتنوع هذه المنشآت بين نوعين رئيسيين:
- أنفاق هجومية: أعلن الجيش الإسرائيلي اكتشافها وتدميرها ضمن عملية "درع الشمال" (2018-2019)، مشيراً إلى أنها كانت تعبر "الخط الأزرق" باتجاه أراضيه.
- أنفاق استراتيجية: تنتشر داخل التضاريس الجبلية الوعرة، وتشير تقديرات استخباراتية إلى أن بعضها يضم غرف إقامة، ومراكز قيادة، ومخازن صواريخ، ومنصات إطلاق مخفية تسمح باستهداف أهدافها من داخل منشآت محصنة بالكامل.
أبرز المنشآت والمواقع المكتشفة
مؤخراً، سلطت الأضواء على منشآت بعينها؛ مثل "نفق مجدل زون" الذي امتد لأكثر من مئتي متر وبعمق يتجاوز 25 متراً، واحتوى على غرف سكن ومخازن أسلحة، قبل إعلان إسرائيل عن تدميره.
ومن بين المنشآت البارزة الأخرى، تبرز شبكة "عماد-4" التي استعرضها حزب الله في إصدار مرئي دعائي، مظهراً منشأة ضخمة تتسع لمرور الشاحنات ومجهزة لإطلاق الصواريخ. كما تتحدث التقارير الإسرائيلية عن "أنفاق القنطرة" (المقدر طولها بنحو كيلومترين)، و"مجمع علي الطاهر الاستراتيجي"، بالإضافة إلى منشآت في محيط قلعة الشقيف، ونفق الطيري، وأخرى ممتدة أسفل بعض المنازل والمحال التجارية لأغراض التخزين والتنقل المحمي؛ وهي تفاصيل يصعب التحقق من كامل دقتها من مصادر مستقلة. وفي السياق ذاته، أعلن الجيش الإسرائيلي عن كشف بنى تحتية مماثلة شُيدت على مدار سنوات في منطقتي الخيام وكفر تبنيت.
الحدود اللبنانية السورية: مسار التهريب
على الجانب الآخر، أعلنت السلطات السورية عن وجود شبكة أنفاق تهريب على حدودها مع لبنان، تنتشر خصوصاً في مناطق البقاع الشمالي والقصير. ووفقاً للرواية الرسمية السورية، فإن بعض هذه الأنفاق استُخدم في تهريب الأسلحة، والذخائر، وفي بعض الحالات المواد المخدرة، فضلاً عن تأمين تنقل الأفراد بين البلدين.
لغز التكلفة ومصادر التمويل
لا تتوفر تقديرات رسمية دقيقة لحجم الإنفاق على هذه الشبكة، إلا أن محللين عسكريين يرجحون أن تكلفة الحفر العميق والتحصين والتجهيز على مدى عقود قد بلغت مليارات الدولارات.
وتشير تقديرات غربية وإسرائيلية إلى أن الحزب يتلقى دعماً إيرانيّاً سنويّاً يُقدر بمئات الملايين من الدولارات، يُعتقد أن جزءاً كبيراً منه خُصص للبنية التحتية العسكرية. ووفقاً لتقديرات هندسية، فإن تكلفة الكيلومتر الواحد من هذه الأنفاق العميقة تختلف باختلاف طبيعة الأرض ومستوى التحصين، لكنها قد تصل إلى عدة ملايين من الدولارات للنفق الواحد.
جدل الجدوى: حماية أم عبء؟
يبقى تقييم جدوى هذه الأنفاق مادة لانقسام سياسي واستراتيجي حاد داخل لبنان:
- وجهة نظر المؤيدين: يرون فيها عنصر ردع حيوي في مواجهة التفوق الجوي والعسكري الإسرائيلي، وبديلاً يعوض محدودية قدرات الجيش اللبناني التسليحية.
- وجهة نظر المنتقدين: يعتبرون أن هذه الشبكة استنزفت موارد مالية هائلة، وحوّلت مناطق واسعة من جنوب لبنان إلى ساحة مواجهة دائمة، مما أثر سلباً على الاقتصاد، والاستثمار، وعلاقات لبنان الدولية، فضلاً عن إضعاف مفهوم الدولة.
وفي ظل هذا السجال المستمر، يظل السؤال الجوهري معلقاً: هل شكلت هذه الأنفاق درع حماية حقيقي للبنان، أم أنها تحولت إلى عبء ثقيل ضاعف من هشاشة الدولة ومعاناة شعبها؟