عبّرت الوزيرة السابقة الدكتورة مي شدياق عبر LebTalks عن استغرابها لما يجري في الآونة الأخيرة من محاولات تقودها بعض الأصوات المسيحية لإعادة تدوير مواقف قديمة أو اقتطاع تصريحات من سياقها، ثم نسج حملات وتعليقات حولها، غالباً ما تأتي بعيدة من الحقيقة وتحمل طابعاً استفزازياً هدفه الإيحاء بأن الرأي العام المسيحي يقف في مواجهة مي شدياق وكل من يؤمن بالقضية نفسها.
وترى شدياق أن هذه الحملات لن تترك أي تأثير فعلي، لا عليها ولا على الناس الذين يدركون طبيعة التكتيكات المستخدمة والخلفيات التي تقف وراءها، معتبرة أن المطلوب هو تكريس فكرة أن فئة معينة وحدها تمثل الشارع المسيحي، فيما الأسماء نفسها تتكرر في كل مرة.
وتقول شدياق إنها لا تريد تسميتهم لأنهم "لا يستحقون"، مشيرة إلى أن بينهم مذيعين ومذيعات "يدّعون الإعلام"، إلى جانب مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض الذين "نقلوا البارودة من كتف إلى كتف"، إضافة إلى جهات حزبية تعتبر نفسها ضمن محور الممانعة.
وتؤكد شدياق أنها لا تتوقف عند تلك "الأصوات النشاز"، لأن مواقفها السياسية تعبر عنها بثقة كاملة، بينما يذهب الطرف الآخر إلى تحوير أي موقف مهما كان بسيطاً، وتستعيد في هذا السياق الفيديو الذي نشرته تحت عنوان "نحن نحب الحياة"، موضحة أنها لم تقصد الطائفة الشيعية إطلاقاً، إلا أن الردود جاءت وكأنها تهاجم الطائفة مباشرة.
تضيف أن هذا المناخ بات معروفاً بالنسبة إليها، إذ يتم دفع الأمور دائماً نحو التوتر الطائفي وشحن الغرائز من أجل شد العصب المذهبي، فيما مشكلتها الحقيقية، بحسب قولها، ليست مع أي طائفة انما مع النفس السياسي الذي ينتمي إليه هؤلاء، مشددة على أن لبنان الذي تؤمن به ويتسع لجميع الطوائف.
وتتابع شدياق أن بعض المعترضين على أي موقف "يركبون الموتسيكلات" وينزلون إلى الطرقات مرددين شعارات طائفية من نوع "شيعة شيعة"، معتبرة أن هذا النهج أصبح مستهلكاً وأساليبه مكشوفة، تماماً كما يحصل عبر إطلاق "الذباب الإلكتروني" على مواقع التواصل الاجتماعي بواسطة حسابات مشبوهة لا حضور فعلياً لها ولا متابعين، هدفها الوحيد مهاجمة كل من يعبّر عن رأي مختلف.
ورداً على سؤال، تقول شدياق إن هذه الذهنية موجودة منذ عام 1982، وقد تربى أصحابها على نمط فكري معين، معتبرة أن المدارس الخاصة التابعة لهم لعبت دوراً في تربية الأطفال على ثقافة بعيدة عن الثقافة اللبنانية، وتضيف أن الأمر تطور مع مرور الوقت ليدخل في إطار منطق الثورة الإيرانية وولاية الفقيه، ما أدى إلى تكوين أجيال تحمل فكراً مختلفاً عن الهوية اللبنانية.
ومع ذلك، تؤكد شدياق أن كثيرين داخل البيئة نفسها بدأوا ينتفضون على هذا النهج، فيما يحتاج آخرون إلى وقت أطول "كي يصحوا ويعودوا إلى لبنانيتهم"، آملة ألا يتأخروا في العودة للعمل لمصلحة لبنان لا لمصلحة ولاية الفقيه، وألا يبقوا "أحجار شطرنج" تستخدمها إيران في مفاوضاتها مع الأميركيين.
سياسياً، تعتبر شدياق أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل أصبحت أمراً واقعاً مهما ارتفعت الأصوات الرافضة لها، لافتة إلى أن النقطة المفصلية ستكون في نهاية المطاف اللقاء بين رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، معتبرة أن هذا الأمر سيحصل عاجلاً أم آجلاً.
وتقول إن الرئيس عون يعرف جيداً كيفية إدارة الملفات الحساسة، ولا ينبغي أن يتأثر بالأصوات المحيطة به التي تعتمد أسلوب التخويف والتهويل، لأن هذه الاعتراضات ستبقى موجودة في كل الأحوال.
وترى شدياق، من منطلق "العقل المنطقي والاستراتيجي"، أن لبنان إذا أراد الحفاظ على موقعه واستعادة قوته وعدم البقاء ورقة تُباع وتُشترى، فعليه الاستفادة من الظرف الحالي للوصول إلى اتفاق سلام دائم مع إسرائيل.
وتوضح أنها لا تؤيد أي صيغة هدنة قابلة للانهيار لاحقاً، ولا مجرد اتفاق وقف إطلاق نار قد يلقى المصير نفسه، مؤكدة أن اللبنانيين يريدون العيش بسلام كامل وفق شروط تضعها الدولة اللبنانية وحدها.
وفي المقابل، تشير إلى أن لبنان يقف اليوم في الحلقة الأضعف، ولا يملك الكثير ليقدمه مقابل السلام، إلا أنه يستطيع الاستفادة من بعض الملفات الجوهرية، محذرة من أن إسرائيل تستغل الوقت الضائع، وكلما تأخر لبنان في اتخاذ القرار تستمر إسرائيل بسياسة "الأرض المحروقة" داخل الأراضي اللبنانية لتأمين المنطقة الأمنية والمستوطنات الشمالية.
وتضيف شدياق أن لبنان ليس في موقع قوة يسمح له بفرض شروط كبيرة تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي أو إعادة الإعمار، ولهذا يفترض بالدولة اللبنانية أن تحسم قرار نزع سلاح حزب الله نهائياً، لأن أحداً لن يساعد لبنان طالما أن الـ system اللبناني لا يزال مخروقاً من الحزب.
وتشير إلى أن الحديث عن جنوب الليطاني كمنطقة منزوع السلاح سقط عملياً بعد اكتشاف "دولة رديفة" تحت الأرض، في إشارة إلى شبكة الأنفاق التابعة لحزب الله متسائلة إلى أين تمتد هذه الأنفاق، وهل تقتصر على الجنوب والبقاع أم أنها تصل إلى مناطق أخرى كجبل لبنان وكسروان وبعلبك، مضيفة أن "الله وحده يعلم" حجم هذا الامتداد.
وتذكر شدياق بأن وزارة الأشغال كانت في معظم الأحيان تحت نفوذ الجهات نفسها، ما كان يثير علامات استفهام دفعتها مراراً إلى رفع الصوت والتنبيه إلى وجود أمر غير طبيعي، إلا أن البعض كان يتعامل مع هذه التحذيرات وكأنها مجرد مواقف سياسية، فيما القضية بالنسبة إليها تتعلق بمنطق الدولة والسيادة، متسائلة: هل يجوز أن تكون هناك دولة تحت الدولة؟.
وتتابع أن الخارج يبني الأنفاق وكأنه لصناعة "مترو"، فيما مؤسسات الدولة اللبنانية مخترقة بالكامل، داعية الدولة إلى وضع حد نهائي لكل ذلك، ومعتبرة أن خطاب حزب الله العسكري والسياسي ينطلق من العقلية نفسها.
ولا تحصر شدياق المشكلة بالحزب أو بقوة الرضوان فقط، انما تتحدث أيضاً عن دور الحرس الثوري الإيراني في لبنان، من خلال استخدام جوازات وجنسيات مزورة، معتبرة أن إيران باتت تخترق لبنان بشكل مكشوف "ورقة ورقة" في سياق ما تصفه بمحاولة تغيير ديموغرافية لبنان.
وفي ختام حديثها، تشدد شدياق على ضرورة اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة، لأن صورة لبنان أمام المجتمع الدولي باتت مرتبطة بالإرهاب، سواء بالنسبة إلى دول الخليج أو الدول العربية أو الأوروبية أو حتى الولايات المتحدة في ظل استمرار الكشف عن شبكات وأدوات مرتبطة بالحزب. وتتساءل: لماذا يستغرب اللبنانيون وجود بلدهم على اللوائح السوداء في العالم، طالما أن هذه الوقائع تتكرر؟ لتختم بالقول إن "التابوهات" التي فُرضت على اللبنانيين آن الأوان لكسرها.