كتبت المحامية الدكتورة ندين عراجي الغول:
في هذه الأيام العصيبة التي يمر بها لبنان، يبدو المشهد العام وكأنه مجموعة من الصور المتناقضة التي تجتمع في لوحة واحدة. مشاهد تختلط فيها الإنسانية بالخوف، والواجب بالقلق، والاعتياد بالخطر.
في زاوية من هذا الوطن، يقف أناس بعيون شاخصة، يراقبون، يترقبون، ويحضّر بعضهم كاميراتهم لتوثيق لحظة سقوط مبنى في دقائق معدودة. مبنى ربما استغرق بناؤه سنوات طويلة من العمل والعرق والتعب، وربما كان حلم عائلة بكاملها، ادّخرت وتعبت لتملك شقة صغيرة فيه.
وفي لحظة، يتحول هذا الحلم إلى مشهد مصوَّر على هاتف، يُتداول كخبر أو كذكرى في زمن باتت فيه الكوارث مشهداً يومياً.
وفي زاوية أخرى، تقف المدارس أمام معادلة صعبة بين الاستمرار في أداء رسالتها التربوية وبين المخاطر المحدقة. ومع ذلك، نرى إصراراً لدى بعض المؤسسات التعليمية على اعتماد الحضور الإلزامي، متجاهلة – أو متغاضية عن المخاطر التي قد تحيط بالأطفال في الطرقات، وعن القلق الذي يرافق الأهالي في كل لحظة وهم يرسلون أبناءهم إلى مدارسهم.
وهنا يبرز سؤال مشروع: أين يقف مبدأ السلامة العامة، الذي يشكل في القانون أحد أهم الواجبات التي تقع على عاتق المؤسسات في الظروف الاستثنائية؟
وفي الوقت ذاته، ينشغل بعض المواطنين بقضايا يومية صغيرة، كحفرة في طريق أو خلل في خدمة عامة. وهي قضايا محقة في زمن السلم، لكنها تبدو في زمن الحرب وكأنها جزء من مفارقة مؤلمة: بلد يواجه أخطاراً وجودية، فيما تفاصيل الحياة اليومية تحاول أن تستمر وكأن شيئاً لم يحدث.
أما المفارقة الأكثر وضوحاً، فهي في النقاشات التي تدور حول مشاريع وخطط وأفكار مستقبلية لبلد لا نعرف بعد ما سيكون مصيره في ظل هذه الحرب.
حديث عن استثمارات، ومشاريع إنمائية، ورؤى اقتصادية بعيدة المدى، بينما يعيش الناس يومياً بين احتمال إنذار جديد أو إخلاء مفاجئ.
الإخلاءات أصبحت جزءاً من مفردات حياتنا اليومية. عائلات تترك منازلها على عجل، تجمع ما استطاعت حمله من ذكريات وأشياء ضرورية، وتغادر دون أن تعرف إن كانت ستعود إلى المكان نفسه أم إلى ركامه.
وفي خضم كل ذلك، تستمر الحياة المهنية أيضاً. فالموكلون يتواصلون مع محاميهم بإلحاح لمتابعة ملفاتهم وقضاياهم، وكأن عجلة القانون لا يمكن أن تتوقف حتى في أصعب الظروف.
كل هذه المشاهد ليست سوى انعكاس لحالة يعيشها لبنان اليوم: حالة بلد يقف على خط تماس دائم بين الخطر والحياة.
لبنان وطناً اعتاد أن ينهض من بين الركام،نكتب عنك اليوم ونحن لا نعرف أي فجر ينتظرنا غداً.
لكننا نعرف شيئاً واحداً: أن هذا الشعب الذي تعلّم أن يعيش بين الأزمات، لن يفقد إيمانه بك، ولن يتوقف عن الحلم بك وطناً للحياة لا وطناً للإنذارات.
سيبقى في قلوبنا وطنٌ يستحق السلام، ووطنٌ يستحق أن تُبنى بيوته لتسكنها العائلات، لا لتُصوَّر لحظة سقوطها.
لبنان، نرجو لك الأمان… كما يرجو الأب لأطفاله مستقبلا بلا خوف.
