في لبنان، حتى البيئة باتت تُقاس بالكلفة. قد يكون أسهل ما يمكن فعله لحماية البيئة هو فرض رسم جديد. لكن الأصعب هو إثبات أن هذا الرسم سيحميها فعلاً.
وبينما رفعت الدولة يوم أمس شعار "الرسوم البيئية" على مواد أساسية منتجة للنفايات، يبرُز سؤال يتجاوز الإيرادات والأسعار: هل نحن أمام خطوة نحو إدارة مستدامة للنفايات… أم أمام كلفة جديدة تُضاف إلى "فاتورة" اللبنانيين؟
في السياق، أشار رئيس جمعية "أرض لبنان" بول أبي راشد، في حديث خاص لموقع LebTalks، إلى أن "الرسوم البيئية ليست هدفاً بحد ذاتها، بل وسيلة لتمويل الانتقال إلى إدارة مستدامة للنفايات".
أضاف: "إذا لم تُخصَّص الإيرادات لإنشاء البنية التحتية اللازمة، مثل مراكز الفرز، ومعامل التدوير، والتسميد، وأنظمة الجمع المنفصل، فإن الأثر البيئي للمرسوم سيبقى محدوداً".
وتابع: "الفائدة البيئية الحقيقية لا تتحقق بمجرد تحصيل الأموال، بل من خلال استثمارها في خفض كمية النفايات المرسلة إلى المطامر، وزيادة إعادة الاستخدام، والتدوير، وتطبيق الاقتصاد الدائري".
ورأى أبي راشد أن "هناك احتمالاً بأن تنتقل كلفة هذه الرسوم إلى المستهلك، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. لذلك، فإن العدالة البيئية تقتضي أن يقابل أي عبء مالي تحسين ملموس في الخدمة البيئية".
كما اعتبر أنه "إذا دفع المواطن رسوماً إضافية ولم يلمس وجود فرز من المصدر، أو تحسيناً في إدارة النفايات، أو زيادة في نسب التدوير، فمن الطبيعي أن تُطرح علامات استفهام حول فعالية هذه السياسة".
وأكد أن "العدالة لا تتحقق فقط بفرض الرسوم، بل أيضاً بضمان أن تعود عائداتها بالنفع البيئي".
أما على الصعيد القانوني، فلفت إلى أن "المرسوم يهدف إلى تفعيل المادة 28 من قانون الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة، التي تجيز فرض رسوم على المواد المنتجة للنفايات لتغطية جزء من كلفة إدارتها".
ومن الجهة البيئية، أفاد بأنه "من المفترض أن يكرّس مبدأ "الملوِّث يدفع"، بحيث لا تتحمل البلديات والخزينة العامة وحدها كلفة معالجة النفايات".
لكنه شدد أيضاً على أن "نجاح هذا الهدف يبقى مرتبطاً بطريقة إدارة الأموال وشفافية إنفاقها، وإلا فقد يُنظر إلى المرسوم كإجراء مالي أكثر منه إصلاحاً بيئياً".
وخلال حديثه، كشف أبي راشد عن عناصر أساسية يجب إضافتها إلى المرسوم، ومنها:
- إنشاء صندوق مستقل أو آلية شفافة لإدارة هذه الإيرادات، مع نشر تقارير سنوية عن حجمها وأوجه إنفاقها.
- ربط قيمة الرسوم بالأثر البيئي الحقيقي للمنتج أو التغليف، بحيث يدفع المنتج الأكثر تلويثاً أكثر، ويُكافأ المنتج المستدام.
- استكمال المرسوم بنظام للمسؤولية الممتدة للمنتج (EPR)، بحيث لا تقتصر مسؤولية المنتج على دفع رسم مالي، بل تمتد إلى المساهمة في استرداد منتجاته وإعادة تدويرها.
- إدراج حوافز للمؤسسات التي تعتمد مواد معاد تدويرها أو تقلل من النفايات الناتجة عن منتجاتها".
وتابع: "لا أعتقد أن هناك ترتيباً جامداً. ففي الكثير من الدول، تُفرض الرسوم بالتوازي مع إنشاء البنية التحتية"، مؤكداً أنه "لا يجوز أن تبقى الرسوم هي الإجراء الوحيد، بل يجب أن ترافقها، منذ البداية، خطة وطنية بيئية واضحة".
وأشار أبي راشد إلى أنه "في حال سبقت الرسومُ كلَّ الإصلاحات، وتأخرت هذه الإصلاحات سنوات، ستفقد السياسة البيئية جزءاً كبيراً من مشروعيتها وثقة المواطنين بها".
وشدد أبي راشد على أن "نحن في جمعية "أرض لبنان" ندعم تطبيق مبدأ "الملوِّث يدفع"، لأنه مبدأ بيئي راسخ، لكننا نؤمن أيضاً بأن الرسوم ليست غاية بحد ذاتها. فقيمتها الحقيقية تُقاس بقدرتها على تمويل إصلاح فعلي لقطاع النفايات، وتعزيز الاقتصاد الدائري، وتحقيق نتائج بيئية ملموسة يشعر بها المواطن".
وختم: "السياسة البيئية الناجحة لا تُقاس بما تجبيه من أموال، بل بما تحققه من حماية للبيئة وتحسين لنوعية الحياة".
ليست القضية في وجود رسم بيئي أو غيابه، بل في ما إذا كان سيُغيّر واقع النفايات فعلًا، فالسياسات البيئية تُقاس بما تحققه على الأرض، لا بما تحصّله من أموال.
وما لم يشعر المواطن بتحسّن ملموس، سيبقى الرسم بالنسبة لكثيرين مجرد ضريبة جديدة بلونٍ أخضر.