تتبدى في المشهد الرسمي نبرة مزدوجة في مقاربة ملف التفاوض مع إسرائيل، حيث يذهب رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام نحو انفتاح محسوب على خيار المفاوضات المباشرة، في حين يرسخ رئيس مجلس النواب نبيه برّي تمسكه بصيغة غير مباشرة، من دون أن تتبدل العناوين الجوهرية التي تتقدم هذا الملف، أي انسحاب إسرائيلي كامل من الجنوب، إفراج عن الأسرى، وتثبيت وقف إطلاق نار دائم.هنا يبرز تساؤل مشروع حول خلفيات هذا التباين، وما إذا كان يعكس تباعداً فعلياً في الرؤى أو توزيعاً دقيقاً للأدوار داخل بنية السلطة.
في هذا السياق، يلفت عضو كتلة التنمية والتحرير الدكتور فادي علامة في حديث إلى LebTalks، إلى أن جوهر المرحلة لا يُختصر بشكل التفاوض، بل يتمحور حول مضمونه، فالذهاب إلى أي مسار تفاوضي يفرض تحديد الأجندة بوضوح، ومعرفة نقطة الانطلاق ومسار التنفيذ والغاية النهائية، مستحضراً في هذا الإطار مقاربة الوزير غسان سلامة الذي شدد في أكثر من مناسبة على أهمية الذهاب إلى التفاوض بسلة متكاملة المعالم، محددة الأهداف والخطوات.
ويشير علامة إلى أن شكل التفاوض، سواء أكان مباشراً أو غير مباشر، يفقد أهميته إذا غابت الرؤية الواضحة لدى الحكومة حول النقاط التي ستُطرح، معتبراً أن الدولة اللبنانية تعلن مطالبها كاملة، في مقابل غموض يلف كيفية مقاربة الجانب الإسرائيلي لهذه المطالب، وكيفية انطلاق العملية التفاوضية أصلاً.
ويضيف أن إسرائيل، وفق ما تعلنه تركز على أمن مستوطني الشمال، في حين يعكس كلام رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو مقاربة تعتبر ملف سلاح حزب الله مسألة معقدة وشائكة، بينما يُدرج هذا الملف من وجهة النظر اللبنانية، ضمن الإطار الداخلي السيادي، لا ضمن شروط التفاوض الخارجي.
ويتابع علامة أن الطرح الذي أشار إليه الرئيس عون حول جمع الأطراف اللبنانية لمناقشة قضايا الأمن والاقتصاد والأمن الاحترازي يكتسب أهمية خاصة، إلا أن التحولات الجيوسياسية في المنطقة أعادت رسم قواعد الاشتباك السياسي، ولم تعد طاولات الحوار التقليدية كافية بصيغها السابقة، ما يفرض مقاربة أكثر دينامية وارتباطاً بالمتغيرات الإقليمية.
ضمن هذا المسار، يعبر علامة عن أمله في أن يبادر رئيس الجمهورية إلى وضع آلية واضحة للترتيبات المقبلة، بما يفتح الباب أمام العودة إلى مناخات هدنة العام 1948، مع التشديد على ضرورة تعزيز دور الجيش اللبناني وتمكينه عبر دعم فعلي ومستدام، في ظل استمرار الضبابية التي تحيط بالنوايا الإسرائيلية.
ويختم بالتأكيد أن الدعوة إلى طاولة حوار تبقى المدخل الإلزامي لأي مسار إنقاذي، إذ إن الجمود سيبقى سيد المشهد ما لم يجتمع اللبنانيون حول رؤية مشتركة تطرح كل الملفات بلا استثناء، وفي مقدمها مسألة السلاح، باعتبار أن أي حل لا يمكن أن يُبنى خارج إطار التوافق الداخلي الذي يحتاج إلى وقت كي ينضج ويترسخ.