لم تمرّ، ولن تمرّ، مسألة استهداف البلدات المسيحية مرور الكرام. ما جرى اليوم في علما الشعب ليس حادثاً عابراً في سياق الحرب، ولا تفصيلاً يطوى مع نشرات الأخبار. إنه جرح جديد يُضاف إلى جروح الجنوب المفتوحة، ورسالة قاسية لأهله الذين وجدوا أنفسهم مرة أخرى في قلب معركة لم يختاروها.
علما الشعب، البلدة الصغيرة المعلّقة على تخوم الحدود، ليست مجرد نقطة على الخريطة. هي تاريخ من الصمود، وبيوت حجرية تعانق الكنائس، وناس اختاروا البقاء في أرضهم رغم كل الحروب. اليوم، استهدفت هذه البلدة وسقط أحد أبنائها المسيحيين. ليس الرقم هو المهم، بل المعنى. فحين تقصف بلدة كهذه، فإن الرسالة تتجاوز الضربة العسكرية لتطال شعور الناس بالأمان والانتماء.
المشكلة لا تبدأ عند الصاروخ الذي يسقط، بل عند القرار الذي وضع الجنوب كله في قلب هذه الحرب. حزب الله، عندما اتخذ قرار إسناد إيران في معاركها الإقليمية، لم يغامر بنفسه فقط، بل غامر بالجنوب بأكمله. غامر بالقرى، بالبيوت، بالمدارس والكنائس، وبالناس الذين لم يستشاروا في قرار الحرب ولا في تبعاتها. هذا القرار حوّل الجنوب مرة جديدة إلى ساحة مواجهة مفتوحة، فيما يدفع الأهالي الثمن.
قد تكون بيئة الحزب راضية بهذا الخيار، أو على الأقل تتعامل معه بوصفه جزءاً من قناعاتها السياسية والعقائدية. لكن الأمر مختلف تماماً بالنسبة إلى القرى المسيحية الجنوبية. هذه القرى، التي بقيت لعقود تحاول الحفاظ على وجودها وهويتها وسط العواصف، تجد نفسها اليوم متروكة لمصيرها. لا أحد سألها إن كانت تريد هذه الحرب، ولا أحد يطمئنها إلى أن بيوتها لن تكون هدفاً في أي لحظة.
علما الشعب اليوم، وربما رميش غداً، وربما قرى أخرى بعد ذلك. هذا هو الخوف الحقيقي الذي يسكن قلوب الناس. ليس الخوف من الضربة فقط، بل من الشعور بأن الجنوب يدفع مرة أخرى إلى معركة أكبر منه، فيما الدولة غائبة أو عاجزة عن حماية مواطنيها أو حتى عن اتخاذ قرار سيادي يمنع تحويل أرضهم إلى ساحة صراع.
لكن رغم كل ذلك، تبقى هذه القرى متمسكة بما يشبه المعجزة اليومية: البقاء. في علما الشعب، كما في غيرها من القرى الحدودية، لا تزال الأجراس تقرع كل يوم. أجراس الكنيسة التي تعلن الصلاة، وتعلن أيضاً أن الحياة مستمرة رغم الحرب. هذه الأجراس ليست مجرد صوت ديني، بل رمز لوجودٍ يريد أن يبقى، ولإيمانٍ بأن هذه الأرض ليست مجرد خط مواجهة بل موطن ناس عاشوا فيها قبل الحروب وسيبقون بعدها.
اليوم، تُدفن جثة ابن من أبناء علما الشعب، لكن البلدة لم تُدفن. ستبقى الأجراس تدقّ، وسيبقى الناس يصلّون للسلام، لا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم تعبوا من الحروب التي تفرض عليهم. في الجنوب المسيحي، الإيمان ليس شعاراً سياسياً، بل طريقة للبقاء.
وأجراس علما الشعب ستبقى تدقّ.. سلاماً، ومسيحيةً، وإيماناً.